
الراصد: تأخذ الإصلاحات المرتبطة بالمؤسسات السيادية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، طابعًا خاصًا من النقاش السياسي والقانوني، بحكم حساسيتها ومكانتها في بنية الدولة. غير أن خطورة هذا النقاش لا تكمن في وجوده، بل في اللحظة التي يتحول فيها من حوار حول الإصلاح إلى جدل يطغى على جوهره.
فالمسألة في جوهرها ليست صراعًا حول نصوص قانونية، بقدر ما هي جزء من مسار أوسع لتحديث أدوات الدولة وتعزيز جاهزية مؤسساتها في سياق إقليمي متغير، تزداد فيه التحديات وتتعقد فيه متطلبات الأمن والاستقرار. ومن الطبيعي، في مثل هذا السياق، أن تتجه الدول إلى مراجعة أطرها التنظيمية بما يضمن الفاعلية والانضباط واستمرارية الأداء.
غير أن المفارقة التي يفرضها النقاش الراهن أن اشتراط الإذن المسبق من وزير الدفاع للضباط في فترة الاحتياط لممارسة النشاط السياسي هو ما شكّل في حد ذاته نقطة إثارة الجدل وتباين القراءات؛ بين من يعتبره إجراءً تنظيمياً يهدف إلى ضبط الانتقال بين الوضعين العسكري والسياسي وضمان عدم اختلاط الرمزية العسكرية بالتجاذبات الحزبية، ومن يراه توسعاً يحتاج إلى تدقيق أعمق من زاوية التوازن بين الحرية السياسية ومتطلبات الانضباط المؤسسي. وهي مفارقة لا تُقرأ على سبيل الاتهام بقدر ما تُقرأ كدليل على حساسية الموضوع وتشابك زواياه، بما يستدعي قدرًا أعلى من الاتساق في المقاربة.
ومن هذا المنظور، لا يبدو الإصلاح مجرد تعديل قانوني، بل خطوة في اتجاه ترسيخ موقع الجيش الجمهوري باعتباره مؤسسة دولة جامعة، تقوم على المهنية والحياد، وتستمد شرعيتها من الدستور، ودورها من حماية السيادة الوطنية. وكلما تعزز هذا الإطار، اتسعت مساحة الثقة في المؤسسة، ليس باعتبارها طرفًا في التوازنات السياسية، بل باعتبارها أحد أعمدة الدولة واستقرارها.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس الإصلاحات المؤسسية بما تثيره من جدل، بل بما تحدثه من أثر في بنية الدولة وأداء مؤسساتها. فالدول لا تتقدم حين تتوقف عند حدود النقاش، بل حين تجعل من الإصلاح مسارًا هادئًا ومتدرجًا، تُدار فيه الخلافات دون أن تُعطل جوهر الدولة أو تُضعف وظائفها.
وهكذا، يبقى جوهر الدولة هو الإطار الحاكم؛ فحين يُدار الإصلاح من داخل هذا الإطار، يصبح الجدل علامة حيوية لا عائقًا، ويغدو تطوير المؤسسات تعبيرًا عن قوة الدولة لا عن ترددها.
محمد لحظانه
