المجالات المختلفة لحق الإنذار،* بين الوشاية الكاذبة والتنبيه للصالح العام/ذ.الطالب أخيار مولود

ثلاثاء, 30/06/2026 - 21:10

الراصد: كيف يمكن التمييز بين الوشاية الكاذبة وبين التنبيه للصالح العام في مجتمعٍ يتغاضى عن إرساء حق التبليغ عن الأخطار في منظومته القانونية، في مجتمع رَصْديّ يترقب فيه الناس بعضهم بعضا (société monitoire) قبل أن يُحال الأمر في لحظةٍ ما، بوسيلة ما، إلى السلطة القائمة أو من يحل محلها؟

 

في مثل مجتمع كهذا، يأخذ التبليغ عن الأخطار مظهراً أقرب إلى الوشاية، ويُنظر إلى صاحبه في علاقته بالدولة على أنه مُخبر، يتمتع - بلا شك بقدر- من المشروعية، لدى من يُحسن التمييز بين المشروعية والقانونية، لكنه ليس في مأمن تماماً من إغراءات قد تدفعه إلى تغليب أهداف ذاتية على حساب المصلحة العامة، ومن ذلك مثلاً السعي إلى إقصاء خصم سياسي، أو منافس مزاحم في السوق، أو زميل يُراد انتزاع مكانه… إلخ.

 

وفي هذا الصدد، فإن المجتمع الموريتاني، ذا الطابع الرَّصْدِيِّ الغالب منذ القدم، يظل إلى يومنا هذا مجتمعاً قائماً على المراقبة؛ حيث بلغت فيه الوشاية ذروتها في الفترة ما بعد الاستقلال مع إنشاء هياكل تهذيب الجماهير (structures d'éducation de masses) التى كانت تؤدي رسميا وظيفة تتمثل في تأطير الشعب ضمن دينامية تربوية؛ غير أن هدفها الفعلي كان تعزيز سيطرة السلطة القائمة على المجتمع من خلال إنشاء شبكة واسعة من أجهزة الاستخبار على مستوى كل حيّ، من دون أي اعتبار لمدى صحة الوقائع المبلّغ عنها أو إمكانية نسبتها؛ إذ إن مجرد القرب من الهرم العسكري كان يُعدّ - في حد ذاته- مصدراً لمصداقية الوشاية.

 

قبل إرساء حقّ التبليغ عن الأخطار في الكثير من المنظومات القضائية بناء على أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، شهد بعض الدول الأوروبية أوضاعاً مماثلة لتلك التي نلاحظها اليوم في المجتمعات الرَّصْدِيَّة؛ والتي لم تتحرّر بعد على الصعيد المؤسساتي.

 

في فرنسا، حُكم على القبطان "دريفوس" بالتجريد العلني من رتبته سنة 1894 بتهمة الخيانة العظمى، استناداً إلى وشاية مفادها أنه سلّم، في تقرير مفصّل، معلومات ذات طابع إستراتيجي إلى قوة أجنبية، وقد أُرفق هذا الحكم بعقوبة إضافية هي النفي المؤبّد إلى "غويانا" (مستعمرة فرنسية).

 

لاحقاً، سيكشف المقدم "جورج بيكارت" رئيس الاستخبارات العسكرية لقيادته، الطابع المضلِّل للوشاية؛ مما تسبب في نفيه قسراً إلى تونس مع تعليمات صارمة بعدم نشر المعلومات التي اطّلع عليها، لكنه سارع إلى خرق هذا الأمر، ربما ليتفادى المصير المظلم للجبناء والمتقاعسين الذين - لعدم جرأتهم على "إطلاق الإنذار"- غضّوا الطرف عن اختلالات جسيمة وظاهرة داخل مؤسستهم؛ بل وربما غطَّوْا بصمتهم ارتكاب جنحة أو جريمة (مجلس الدولة الفرنسي، س. أوستاش، ج. م. سوف: المبلّغون عن الأخطار: تأمين القنوات والإجراءات، 4 فبراير 2015). وقد تم عزله ثم سجنه، ولم يُعَد اعتباره إلا سنة 1906، بالتزامن مع إعادة الاعتبار للقبطان دريفوس.

 

أما الواشي، القائد "فرديناند وولسين إستيرهازي" الذي كان في الواقع المؤلف الحقيقي للتقرير المجرّم؛ وبالتالي مذنباً بجريمة التزوير بانتحال شخصية، فقد بُرِّئ على الكراسي في محاكمة سريعة أمام مجلس الحرب، حفاظاً على شرف الجيش المعروف بتعلّقه بهذه القيمة، وتفاديا لتلطيخ سمعة المؤسسة العسكرية، وقد مات في المنفى، بلا مجد ولا شرف، وظلّت ذكراه مرتبطة إلى الأبد بالخيانة.

 اليوم، أصبح المُبَلِّغ عن الأخطار في صلب الاهتمام، مستفيداً من تشريعات حمائية في أكثر من ستين بلداً، وتمثل هذه فرصة لموريتانيا، وهي بصدد مراجعة قانون العمل، لإدراج أحكام تنص على بطلان أي فصل يهدف إلى تقييد حقّ العامل في أن يروي أو يشهد، بحسن نية، على وقائع اطّلع عليها أثناء أداء مهماته؛ والتي إذا ثبتت، قد تشكّل مخالفات جنائية.

 

 إن مثل هذه الأحكام سيكون حماية لكرامة الموظف في مكان عمله؛ حيث تُنتهك باستمرار، وسيقيه من أي انتهاك مهين لوضعه الاجتماعي؛ سواء كان ذا طبيعة عنصرية أو غيرها، وكذلك من أي مساس بسلامته الجسدية في وقت يفضّل فيه المعتدون جنسياً في أماكن العمل "الترقية عبر الابتزاز الجنسي" على الوسائل المشروعة للارتقاء المهني.

 

كما أن هذه الأحكام الجديدة ستقرّب موريتانيا من المعايير الدولية في مجال حماية حقوق العامل، لأنها تأتي امتداداً لاجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تعتبر أن "العقوبات المفروضة على العمال الذين انتقدوا سير مرفق أو كشفوا عن سلوكيات أو أفعال غير مشروعة في مكان العمل، تشكّل انتهاكاً لحقهم في التعبير بمقتضى المادة 10-1 من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان" (محكمة النقض الفرنسية، مذكرة تفسيرية لحكم الغرفة الاجتماعية بتاريخ 30 يونيو 2016).

 

أليس منصوصاً في المادة 36 (الفقرة الأخيرة) من قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني، على إلزام كل سلطة قائمة، وكل موظف عمومي أو عون، بالتبليغ إلى وكيل الجمهورية عن أي واقعة يمكن أن تشكّل جنحة أو جريمة اطّلع عليها أثناء أداء مهماته؟ غير أن أماكن العمل أصبحت فضاءات خارج القانون؛ حيث تُهدَّد المرأة على وجه الخصوص بشكل دائم بسلوكيات تتعارض مع الكرامة الإنسانية. وللأسف، لا تنص المادة 36 على عقوبة، ويجب تعديلها لإقرار عقوبة ضد كل سلطة قائمة أو موظف عمومي أو عون يتستر على انتهاك لحقوق الإنسان في أماكن العمل، باعتبار الالتزام الخالي من العقوبة التزاماً صورياً.

في المجال البيئي يصبح من الضروري، بالنظر إلى تدهور التربة والمياه الجوفية بفعل عملية السيان (cyanure) إنشاء وحدة داخل كل مؤسسة معنية باستخراج معدن الذهب، تكون منفصلة عن البُنى التشغيلية، وتكون وظيفتها الحصرية معالجة البلاغات عن الأخطار في هذا المجال بأقصى درجات الاستقلالية، لتقدير مستوى الخطورة على البيئة، وإحالتها إلى السلطات القضائية أو الإدارية، وكذلك إلى الجمعيات الأهلية المعتمدة لمكافحة تدهور البيئة، ومن البديهي أن تُزوَّد هذه الوحدة بالوسائل المالية والبشرية والتقنية اللازمة لإنجاز مهمتها باستقلال تام عن أجهزة إدارة المؤسسة، وأن تعمل على نشر خلاصاتها على أوسع نطاق ممكن، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي. وبذلك تكون موريتانيا - وهو ما يُحسب لها- قد التزمت بالأهداف ذات القيمة الدستورية المتمثلة في حماية البيئة والصحة، كما نصّ عليها في المادة 24 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي تحيل إليه ديباجة الدستور الموريتاني. ويُراد بهذا أيضاً الاقتراب من المعايير الدولية في مجال حماية البيئة، من خلال التمييز بين تكلفة إنتاج السلعة وتكلفتها الاجتماعية؛ أي مجموع التكاليف الخارجية لتلك السلعة التي يتحملها المجتمع؛ وهي تكاليف التدهور والتلوث الملازمين للأنشطة الاستخراجية. وبذلك تكون موريتانيا قد اصطفت أيضاً مع المعايير الدولية في مجال مكافحة أخطار تدهور البيئة، كما صُنِّفَ في حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 10 نوفمبر 2024، في نزاع بين الدولة التركية وسكان قرى مجاورة لمنطقة استخراج الذهب، حيث جاء في منطوقه "اللجوء إلى تقنية غسل السيانيد (lessivage par cyanure) لاستخراج الذهب لا يتوافق مع المصلحة العامة، بالنظر إلى الأخطار التي يتعرض لها كلٌّ من البيئة والصحة الإنسانية، وهي أخطار متعددة الأوجه: صحية، تلوث المياه الجوفية، وتدمير النظام البيئي المحلي."

 

ـ المبلّغ عن الأخطار هو "كل شخص أو جماعة تكسر حاجز الصمت من أجل الإشارة أو الكشف أو التنديد بأفعال ماضية أو حالية أو مستقبلية، من شأنها أن تنتهك إطاراً قانونياً أو تنظيمياً، أو أن تدخل في تعارض مع الصالح العام" (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، 12 فبراير 2008، قضية غوجا ضد مولدوفا، مقتطفات) الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، القرار رقم 1729. (2010) 29 أبريل 2010، بشأن حماية "المبلّغين عن الأخطار").

ـ المبلّغ عن الأخطار هو "كل شخص، يواجه وقائع تشكّل مخالفات جسيمة للقانون، أو تنطوي على أخطار جسيمة، ويقرر بحرية وبضمير حيّ إطلاق إنذار في سبيل المصلحة العامة. (مجلس الدولة الفرنسي، دراسة معتمدة 25 فبراير 2016 "المبلغون عن الأخطار أي حماية؟).

 

ـ إن المبلّغين عن الأخطار ليسوا معارضين سياسيين؛ بل هم أفراد "يأخذون وعود الديمقراطية على محمل الجد"" (فلورنس هارتمان، مؤلفة كتاب "المبلّغون عن الأخطار: الضمائر المزعجة لديمقراطياتنا") وتمكنهم المساهمة في تعزيز الشفافية والمسؤولية الديموقراطية كما أشارت إلى ذلك لجنة وزراء مجلس أروبا ضمن توصيتها بتاريخ 30 إبريل 2014 على النحو التالي: "حرية التعبير والحق في البحث عن المعلومات وتلقيها أمران لا غنى عنهما لإنشاء ديمقراطية حقيقية". وهو ما دفع بهذه المؤسسة إلى حثّ الدول الأعضاء على ضمان حماية المبلّغين عن الأخطار؛ حيث قدموا في هذا التقرير على أنهم قادرون "على تعزيز الشفافية والمسؤولية الديمقراطية".

 

ـ إن المبلّغين عن الأخطار ليسوا "خونة" بل هم "أشخاص شجعان يفضلون مواجهة الانتهاكات التي يشهدونها بدلاً من اختيار السهولة في البقاء صامتين" (تقرير لجنة المسائل القانونية وحقوق الإنسان حول "حماية المبلّغين عن الأخطار" الوثيقة رقم 12006، 14 سبتمبر2009، تقرير السيد أومتزيغ).

 

ـ فالمبلّغ عن الخطر ليس معارضاً سياسياً "يضع نفسه في مواجهة جذرية مع المجتمع الذى ينتمي إليه" ولا هو من أنصار العصيان المدني الذين يرفضون "الخضوع لقاعدة أو أمر قانوني يشككون في شرعيته". (س. أوستاش، ج. م. سوفى، "المبلّغون عن الأخطار: تأمين القنوات والإجراءات".

 

إن الهدف المنشود من خلال الإنذار (الإبلاغ عن الأخطار) هو "تحمّل الإدارات والشركات لمسؤولياتها عبر جعلها تدرك أن الإنذار قد يكشف عن وجود اختلالات جسيمة يتعيّن عليها تصحيحها" (مجلس الدولة، حق الإنذار: التبليغ، المعالجة، الحماية، دراسة معتمدة بتاريخ 25 فبراير 2016 من قبل الجمعية العامة لمجلس الدولة الفرنسي، مقتطفات).

 

تدل المادة 19 (فقرة 2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن حق التبليغ عن الأخطار مادة من حرية التعبير تسمح لكل شخص أن "يبحث عن المعلومات والأفكار، وتلقيها، ونشرها، من أي نوع كانت، دون اعتبار للحدود، في شكل شفهي أو كتابي أو فني، أو بأي وسيلة أخرى يختارها". وتنص الفقرة الموالية على أن هذا الحق يمكن أن يخضع لبعض القيود التي "يجب أن تُحدَّد صراحةً بموجب القانون، وأن تكون ضرورية لاحترام حقوق الغير أو سمعته، ولحماية الأمن القومي، أو النظام العام، أو الصحة، أو الآداب العامة". ومع ذلك فإن هذه القيود تخضع لتفسير ضيق متعين الانسجام مع حرية التعبير التي يحميها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته 19 (فقرة 2) آنفة الذكر.

 

إن اللجوء طوال هذا المقال إلى اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في مجال تعريف وحماية المبلّغ عن الأخطار ليست ترفاً فكرياً، ولا تعبيراً عن استعراض متعالٍ؛ بل مرده كون اجتهادات هذه المحكمة في هذا الميدان تستلهم في جوهرها قرارات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والمتعلقة بالحقوق والحريات الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذى يحتل مكانة بارزة في ديباجة الدستور الموريتاني. كما أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، هي جهاز الرقابة على مدى احترام الدول الأطراف لأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وعليه يصبح من واجب موريتانيا - انسجاماً مع التزاماتها الدولية- إدراج حقّ الإبلاغ عن الأخطار للصالح العام في منظومتها القانونية، مع تضمينه أحكاما خاصة تكفل حماية المُبلِّغين.

 

الطالب أخيار ولد محمد مولود

 محام لدى المحكمة

عضو سابق في مجلس الهيئة الوطنية للمحاماة