سرادق النفاق السعيد: عندما يموت "والدُ السيّاسي" في بلاد المنكب البرزخي/ رملة سيدأحمد

أربعاء, 08/07/2026 - 11:26

الراصد : ​مات الشيخُ الوقور. رحل الرجل الذي قضى عمره هادئاً، بعيداً عن أضواء العاصمة وصخب صفقاتها. مات، لكن جثته لم تكد تبترد حتى بدأت "الماكينة" في العمل. في موريتانيا، ليس هنالك حدثٌ يوحد الأمة، ويهدئ من روع الصراعات، ويسكت مدافع المعارضة والموالاة، مثل جثةٍ طازجة لوالد مسؤولٍ كبير.

​هنا، يتحول العزاء من طقسٍ ديني حزين إلى "مهرجان النفاق الأكبر"، حيث تُغسل الضغائن بدموع التماسيح، ويُعاد تدوير الخلافات السياسية على عتبات الخيام المصنوعة من وبر التملق.

​١. هدنة الموت: العِناق الحار بين اللصوص والقضاة

​في خيمة العزاء الممتدة كأطماع النخبة، تلتقي الوجوه التي كانت بالأمس تبصق على بعضها في شاشات التلفزيون وفي صالونات نواكشوط المغلقة.

​ترى زعيم المعارضة الراديكالي، الذي بح صوته وهو يتهم النظام بالفساد، يرتمي في أحضان وزير الداخلية (المسؤول عن قمع تظاهراته) في عناقٍ حميمي طويل، لدرجةٍ تخال معها أن المصيبة مصيبتهما معاً، أو أن الضحية هو "الوطن" الذي يتقاسمون كعكته.

​يجلس الجنرال الصارم، الذي لا تبتسم ملامحه إلا بأمرٍ عسكري، بجانب رجل الأعمال الذي يتهرب من الضرائب، يتبادلان أطراف الحديث عن "زهد الفقيد" وصلاحه، بينما عيون كل منهما تترصد الأخرى لمعرفة من سيحظى بالقرب أكثر من "السياسي المفجوع".

​إنها اللحظة السحرية التي يصبح فيها "عدو الأمس" هو "شقيق الواجب اليوم"، لا لشيء، إلا لأن الموت في موريتانيا مجرد بورصة سياسية، والغياب عن "الجنازة" يعني خسارة نقاط في سوق النفوذ.

​٢. رجال الدين ومقاولو المشاعر

​ولا تكتمل المسرحية دون مباركة "حراس النوايا". يأتي رجال الدين، يحملون سبحاتهم الطويلة وفتاواهم الجاهزة لمدح "الخلف الصالح"، متناسين أن هذا الخلف قد أذاق الشعب الويلات. يُلقى الثناء على الميت وعائلته وسلالته، وتتحول التعزية إلى "تزكية سياسية" مجانية، تُباع وتُشترى بابتسامات خبيثة تحت العمائم.

​أما الصحافة والمؤثرون، فيتحولون إلى "مقاولي مشاعر". تُفتح الصفحات لكتابة مرثيات كاذبة عن رجلٍ ربما لم يروه في حياتهم قط، وتصبح العبارات من قبيل "رحل القطب الرباني ووالد الأمة" لازمةً تتردد لتأمين حظوةٍ عند الابن المسؤول، أو طمعاً في لفتةٍ كريمة تُترجم لاحقاً إلى تعيينٍ أو "صفقة تراضي".

​٣. سريالية المشهد: الشعب يموت غرقاً، والنخبة تبكي والداً واحداً

​الأمر الأكثر إثارة للغثيان في هذه "الظاهرة الفلكلورية" هو التناقض الصارخ. يموت المواطن البسيط على أعتاب المستشفيات المتهالكة فلا يلتفت إليه أحد، وتغرق أحياء العاصمة في أول قطرة مطر فلا يواسيها مسؤول، لكن ما إن يموت والد سياسي، حتى تصاب الدولة بالشلل النصفي.

تتحرك سيارات الدفع الرباعي الفارهة (التي اشتُريت من جيوب أولئك الفقراء) في مواكب استعراضية تقطع الطرقات، لتقديم "واجب العزاء" لزميل المهنة.

​إنها تظاهرة تضامن طبقي واضحة؛ النخبة تعزي النخبة، وتحمي مصالح بعضها البعض تحت غطاء "الواجب الاجتماعي". إنهم يثبتون للشعب، في كل مأتم، أنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالرياء والنفاق.

​الموت في وطني لم يعد واعظاً، بل صار مخرجاً سينمائياً فاشلاً لمسرحيةٍ رديئة، يبكي فيها الممثلون بحرارة، ويضحكون في الكواليس على شعبٍ يظن أنهم يتألمون. رحل الوالدُ المسكين.. وبقي النفاقُ حياً يرزق، يدير البلاد برتبة عسكرية وعمامة فقهية وبذلة سياسية أنيقة