
الراصد: كتمهيد، يتعين التذكير أولا بأن إدارة الاقتصاد عبر الهيمنة الميزانية(domination budgétaire) قد صاغها الاقتصادي البريطاني "جون مينارد كينز"(John Maynard Keynes) باعتبارها علاجًا ذا طابع مؤقت، لمواجهة أزمة البطالة الناتجة عن الكساد الذى حل بالبشرية سنة 1929.
وإن كان صحيحًا أن ما يُستحضر غالبًا من "النظرية الكينزية "(théorie keynésienne) في هذا المجال هو تضخيم الإنفاق العمومي عبر تمويله بالعجز المزانى ، فإن ذلك لا يمثل سوى أحد أدواتها، التى يجب أن تُقرن بسياسة نقدية توسعية تشجع الاستثمار الخاص، وبسياسة جبائيه تنظّم إعادة توزيع الدخل القومي سبيلا إلى تشغيل الطبقات المحرومة التي تكرَّس مجمل دخلها للاستهلاك. ، وعلاوة على ذلك، فقد صيغت هذه المقاربة في إطار بلد متقدم للغاية صناعيا، هو بريطانيا ، كعلاج ظرفي للبطالة، لا كتصور شامل ومستقر للسياسات الاقتصادية ، وبالنظر إلى تَـمَـيُّـز نتائجها، ولكن من دون أي جهد لتكييفها مع السياق، تلجأ البلدان النامية إلى استخدام "المقاربة الكينيزية" والإفراط في استعمالها، رغم الدوامة التضخمية التي يمكن أن تثيرها داخل اقتصادات الريع المعتمدة في هذه البلدان والقائمة على تصدير المواد الأولية وتوزيع عائداتها.
أول من تناول هذه الإشكالية بصفة رسمية غداة الاستقلالات كان الرئيس السنغالي والأكاديمي، "ليو بولد سيدار سنغور" حين صاغ تشخيصه لتجلياتها من خلال عبارته الشهيرة:" تدهور شروط التبادل" (détérioration des termes de l’échange)، في إشارة إلى تلازم ارتفاع الصادرات مع انخفاض سعر الصرف الفعلي باعتباره متغيرًا بنيويًا يسهم فى تحسين ميزان المدفوعات.
أدرك مبكرا "ليو بولد سيدار سنغور" أن غياب إنتاج قومي للسلع ذات الأولية القصوى (الأرز، الزيوت، الحبوب…) في ظل انخفاض سعر الصرف الفعلي ، ينعكس سلبا على القوة الشرائية للمستهلك ليُفضي إلى ضائقة اجتماعية حقيقية لا يمكن تجاوزها إلا عبر دعم متواصل لتلك السلع ، غير أن الوظيفة الأولى للدعم، هي أن يكون مؤقتا ومآله الزوال في نهاية المطاف؛ فإذا استمرّ، فإنه سينتهي إلى إبطال آثار السياسة الميزانية، إذ إن العوائد المتأتية من تحسّن الصادرات يجرى تحويلها إلى عملات صعبة لاستيراد السلع ذات الأولية التي تتفاقم أسعارها بالتوازى مع انخفاض سعر الصرف الفعلي، فيخسر الاقتصاد بيد ما كسبه بالأخرى؛ فالصادرات تزداد تنافسية، لكن أسعار الواردات ترتفع بشكل حاد وهكذا تدخل الدورة الاقتصادية في دوامة تضخمية محاذية لتكرار الهيمنة الميزانية .
على الصعيد العام، لم يتغير شيء منذ التحذير الذي أطلقه الرئيس السنغالي السابق؛ فما زالت الاقتصادات الريعية تعاني من « تدهور شروط التبادل».
في موريتانيا حدثت انفراجات من خلال إنشاء آلية دعم المواد الغذائية ذات الأولية القصوى بواسطة الشركة الوطنية للإرادة والتصدير SONIMEX التي أنشأت 1969 معززة لاحقا بخطوات سيادية تمثلت في إنشاء عملة وطنية سنة 1973 مدعومة فى السنة الموالية بتأميم شركة مناجم الحديد الموريتانية MIFERMA لتصبح الشركة الوطنية للمناجم والصناعة SNIM و مع ذلك، فإن آلية الدعم تلك، قد صيغت لتستمر، في حين كان ينبغي إنهاؤها تدريجيا عبر تحسين الإنتاج الزراعي، وهو ما لم يحدث.
وهكذا، فإن دور شركة SONIMEX قد انحصر أساسًا في إقصاء القطاع الخاص الموريتاني الذي كان يزوّد البلاد عامًا بعد عام بالمواد الغذائية ذات الأولية القصوى ، ومن المؤكد أنه كان ليستثمر في إحداث زراعة تنافسية، إن لم يوجد في ذلك الوقت تيار فكري معارض لأي ترويج لرأس المال الخاص، وهو تيار كان يحظى بقبول واسع لدى القادة القائمين آنذاك.
نعرف جميعا ما حدث لاحقا ، فقد أُنيطت إدارة شركة SONIMEXبموظفين عموميين استحوذوا عليها بغرض الإثراء الذاتي، قبل أن يُعلن عن تصفيتها في ظروف لم تُكشف ملابساتها بعد ، وتواصلت عمليات التأميم مصحوبة في كل مرة بإقصاء القطاع الخاص من المجالات المؤممة غير أن الشركات الجديدة المكلفة بمهام التأميم، ذات رأس مال مختلط في غالب الحال مع الإبقاء على نسبة ضئيلة للشركاء الخواص، سرعان ما تنتهى دائما إلى إفلاس ممنهج ، تحايلا على كتلة الدائنين وبقية المتعاقدين ذوى الحقوق المترتبة.
إن السياسات الاقتصادية القائمة على الهيمنة الميزانية المعادة سنة تلوى الأخرى، تؤدى أساسا إلى إقصاء القطاع الخاص، ولا تترك أمام البلدان النامية ذات الاقتصاد الريعي سوى الخيارات التالية: إما الاستمرار بلا نهاية في دعم المواد ذات الأولية القصوى، أو الاستسلام لارتفاع أسعارها، أو الجمع بين الأمرين معا، وبناءً على ذلك، فإن الموارد المخصصة لهذه السياسات لا تعود بأي نفع على تحسين موازين تلك الدول التجارية، المحكوم عليها بعجز هيكلي.
الأستاذ الطالب اخيار ولد محمد مولود.
محام، عضو سابق في مجلس الهيئة الوطنية للمحاماة
