
الراصد : النون هنا تعود على الإعلام المستقل،و إن افترضنا أن هذا الإعلام المستقل فى موريتانيا عاش عصرا ذهبيا،فهل ثمة مؤشرات مهمة و مؤثرة تؤكد على انتهاء هذا العصر الذهبي؟!.
لا يمكن القول بأنه من مطلع التسعينات إلى نهاية المأمورية الأولى لولد الغزوانى لم تكن ثمة هنات و معوقات أضرت بالإعلام المستقل،لكنها كانت مرحلة ذهبية بالمقارنة مع ما يحصل من حين لآخر فى المأمورية الثانية الراهنة ضد بعض الإعلاميين،بل ربما ضد بعض أوجه حرية التعبير.
لكن السؤال المطروح، من ساهم فى إضعاف الإعلام المستقل،و لو نسبيا،فيما بعد مرحلته الذهبية، بالمقارنة مع الواقع الرهان؟!.
ما بين سنة 2024 و 2025 تعزز النشاط السيبراني لدى الدرك و الشرطة لاحقا،و مع سطوة قانون الرموز، فكان ذلك سببا لدخول بعض الصحفيين السجن و مع ما صاحب ذلك من إقالة فى مجلس الوزراء بصورة متزامنة،و يبقى السؤال المطروح،إن افترضنا وجود مخالفات ضمن بثوث و مواد ألكترونية،هل يستحق ذلك كل ذلك الزخم الرقابي،و هل من خدمة الطابع الديمقراطي الوقوف عند كل صغيرة و كبيرة فى المشهد الإعلامي الألكتروني،و ألا يستحق المولود الإعلامي الفتي،خصوصا فى المجال الألكتروني أسلوبا أكثر تسامحا لتمكين الروح الإعلامية من النمو و التمدد،و هل شملت الرقابة السبرانية بنفس الوتيرة تصريحات الإلحاديين و التافهين، المكرسين للانحلال و الميوعة؟!،و رغم ما قد يدعى للسبرانية من دور إيجابي فى مكافحة الميوعة و التطرف و الغلو فى المشهد الألكتروني، إلا أن تجربتها تحتاج للكثير من المراجعة،لأنها على رأي البعض شكلت فزاعة مؤثرة ضد التمدد فى مجال الإعلام الألكتروني السياسي،رغم ترك الحبل على الغارب لكثيرين أضروا بالأخلاق و التوازن القيمي.
و قد شاهدنا أحدهم محسوب على "الوساطة الاجتماعية" بارك قبلات بين "كوردكنات" بمناسبة عرس،لكنه لم يلبث إلا بضعة أيام فى السجن، بينما يمضى صحفي أشهرا، دون ذكر أو تحرج من سجنه و جره للمحاكم مقيدا !!!.
الرقابة الفعالة على المواد الإعلامية الإلكترونية قد لا تناسب خدمة و ترسيخ الطابع الديمقراطي،رغم أهمية العقاب فى حدود و توزان مدروس،إلا أن سطوة قانون الرموز و التغاضى عن اختلالات أخرى فى المشهد قرأ منها المشاهد و التابع استضعافا للحرية الإعلامية،و قد شهدت تلك المتابعات هدوءً فى الفترة الأخيرة،و لو نسبيا.
و على كل حال ربما لم يعد الإعلاميون يتمتعون بتلك الحماية و الحصانة التى طالما تمتعوا بها،فى الأغلب الأعم، منذ مطلع التسعينات و إلى نهاية المأمورية الأولى للرئيس الحالي،محمد ولد الشيخ الغزوانى،و قد أصبح دخول صحفي السجن ممكنا بحجة مخالفة قانون الرموز أو التورط فى بثوث يراها المعنيون غير منسجمة مع القانون،و الرقابة مهمة لكن دون مغالاة فى التضييق على الحريات،التى شهدت ازدهارا ما قبل ظهور قانون الرموز و السبرنانيات،فكيف نجمع بين الحرية و الالتزام،لنحقق المطلوب من الحريات التحليلية و الاستقصائية دون ترويج للميوعة و التفاهات؟!.
و رغم الصراع المدعى بين أنصار الطابع الديمقراطي،المدعوم دستوريا و حكوميا،و لو علنيا،و بين سدنة الطابع الشمولي و البوليسي،إلا أن المؤشرات تدل بقوة على إمكانية عودة الإعلام الحر لسابق عهده من التمكن و الحصانة و التأثير،و لعلها مجرد مرحلة جرب فيها البعض محاولات ضعيفة لحجب شمس الحقيقة،و تحصين أنفسهم بترسانة قانونية مستحدثة لا تتفق مع الأصول و المبادئ.
كل هذه المساءلات مع ضعف المساءلات الموجهة لبارونات الفساد و أكلة المال العام،فقلما يعاقبون و يسجنون،رغم الجهود الرقابية و إصدار تقارير تدين بعضهم،و رغم ظهور هيئات باسم مكافحة الفساد،من حين لآخر، و أهمية ما يرصد لها من أموال !.
فمتى تتقارب أوجه المساءلة و المتابعة بين مجرد الكلام و التهام مليارات الأوقية من ممتلكات هذا الشعب المسكين المغلوب على أمره؟!.
