
الراصد : حين ننظر إلى نواكشوط، نرى ما يرافق حياتنا اليومية: غلاء المعيشة، وضعف بعض الخدمات، وصعوبات العمل والسكن، وما ينتظره المواطن من تحسين في التعليم والصحة والمرافق. وهذه مشكلات حقيقية، لا يجوز التقليل منها. لكن هل تمنحنا معايشتها صورة كاملة عن موقع مدينتنا في العالم؟ وهل نرى ما نملكه بالوضوح نفسه الذي نرى به ما ينقصنا؟
يفتح مؤشر المدن العالمي لعام 2026، الصادر عن مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، بابًا لهذا السؤال. فقد جاءت نواكشوط في المرتبة 527 من بين ألف مدينة يشملها التصنيف، متقدمة في الترتيب الإجمالي على بغداد 555، وكاراكاس 578، وبريتوريا 609، وأبوجا 741، وطرابلس 897، ومدينة جيبوتي 937. وهي نتيجة قد تستوقف من يربط تقدم المدن بحجم اقتصاد الدولة أو ثروتها أو تاريخها وحده. (oxfordeconomics.com)
ومن الأمانة أن نقرأ النتيجة في حدودها: يجمع المؤشر الاقتصاد، ورأس المال البشري، وجودة الحياة، والبيئة، والحوكمة. وهو لا يثبت تفوق خدمات نواكشوط في كل مجال، ولا يسمح بإرجاع ترتيبها إلى الأمن وحده. كما أن تقدمها على مدن معينة لا يعني تفوق موريتانيا على دولها إجمالًا. غير أن المقارنة تذكرنا بأن حياة الإنسان تتأثر بعوامل عديدة، وأن بعض مقوماتها الثمينة قد يغيب عن نظرنا لأننا ألفنا وجوده. (oxfordeconomics.com)
ومن أعمق ما يضيء هذه المقومات قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». رواه الترمذي برقم 2346، وقال: حديث حسن غريب. الأمن، والعافية، والقوت: أصول عظيمة للعيش، يتغير معنى ما عداها حين يفقد الإنسان أحدها. (sunnah.com)
أن يخرج المرء إلى عمله، ويودع أبناءه إلى مدارسهم، ويعود إلى بيت ينتظره فيه أهله، أمور قد تبدو عادية. لكنها تتصل بقدرة الإنسان على التخطيط لغده، وبناء رزقه، والاحتفاظ بثمرة تعبه. وإذا غلب الخوف على الحياة، ضاقت مساحة الطموح، وأصبحت النجاة نفسها شغلًا يوميًا.
وتقدير هذه النعم يحمل مسؤولية توسيع الانتفاع بها. فلا ينبغي أن يُستعمل الحديث لإسكات المحتاج، أو إقناع المريض بالاستسلام، أو مطالبة الشباب بخفض سقف آمالهم. ومن الوفاء لمعناه أن نعمل كي يجد الفقير قوته، والمريض علاجه، والخائف حمايته؛ وأن نقرب هذه الأصول من حياة كل مواطن، بدل الاكتفاء بتذكيره بقيمتها.
ويجعل واقع العالم هذا المعنى أكثر إلحاحًا. فبحسب تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المنشور في يونيو 2026، بلغ عدد اللاجئين عالميًا 41.6 مليونًا بنهاية 2025، فضلًا عن 9 ملايين طالب لجوء، و68.7 مليون نازح داخل بلدانهم بسبب النزاعات أو العنف. وراء هذه الأعداد أسر كانت تملك بيتًا وعملًا وخططًا للمستقبل، ثم وجدت نفسها تبحث عن مأوى وأمان. (unhcr.org)
وسجل التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2026 معاناة 266 مليون إنسان في 47 بلدًا وإقليمًا من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال 2025، مع تداخل النزاعات والصدمات المناخية والضغوط الاقتصادية. وحتى الدول التي تستمر فيها المؤسسات والأسواق في العمل تتأثر باضطراب الاقتصاد العالمي؛ فقد نبه صندوق النقد الدولي في يوليو 2026 إلى تفاوت آفاق النمو، وتعثر مسار تراجع التضخم، وضغوط الحرب على مستوردي الطاقة والاقتصادات الهشة. (wfp.org, imf.org)
نستحضر هذه المعاناة لنتعلم منها، لا لنفرح بتأخر الآخرين أو لنبرر نقائصنا. فالمدن المذكورة أوطان لأناس يتطلعون، مثلنا، إلى حياة كريمة. ودروس العالم تعلمنا أن الثروة والتاريخ لا يمنحان ضمانة دائمة، وأن إصلاح النقص يكون أيسر حين تبقى المؤسسات قائمة، والثقة بين الناس محفوظة، والحياة العامة مستقرة.
لهذا يستحق ما نملكه من أمن واستقرار أن نحافظ عليه وأن نعززه بالعدل. فالمواطن الذي يشتكي انقطاع الماء أو ضعف العلاج أو غياب الفرص يستحق جوابًا عمليًا: خطة واضحة، وموعدًا للتنفيذ، ومسؤولية محددة، ومحاسبة على التقصير. الإصغاء إلى شكواه وحماية حقه في النقد والمطالبة يساعدان على بناء الثقة التي يحتاجها الاستقرار.
والوطن أوسع من حكومة تتغير، ومن حزب نتفق معه أو نختلف، ومن مسؤول نحاسبه على قراره. مؤسسات الدولة ملك عام يخدم الجميع؛ ويمكن للمواطن أن يعارض سياسة، وينتقد مشروعًا، ويطالب بتغيير مسؤول، وهو حريص على وطنه ومؤسساته. النقد السلمي والإعلام المهني والرقابة الجادة وسائل لتصحيح المسار وحماية المصلحة العامة.
وتقع محاربة الفساد في قلب هذه الحماية. فالرشوة تهين صاحب الحق، والمحسوبية تحرم الكفاءة من فرصتها، وتبديد المال العام ينقص ما يصل إلى المدارس والمستشفيات والمرافق. حين تصبح الخدمة مرتبطة بالواسطة أو الدفع، تتراجع ثقة المواطن في عدالة المؤسسات، ويتولد شعور بأن الجهد والاستحقاق لا يكفيان.
والمطلوب إجراءات تتجاوز الخطاب: شفافية في الصفقات، ومنافسة عادلة، ورقابة فعالة، وقضاء مستقل، وحماية قانونية للمبلغين، ومحاسبة تقوم على الأدلة وتحترم حقوق المتهمين. ويجب أن تسري القواعد على الجميع. وتصبح الوعود أكثر جدية حين يعرف المواطن كلفة المشروع، وموعد إنجازه، وسبب تأخره، وأثره الفعلي في مستوى الخدمة.
أما نتيجة التصنيف، فالأجدر أن تكون مدخلًا إلى التحسين المستمر. المرتبة 527 تترك أمام نواكشوط مساحة واسعة للتقدم. نقرأ مواضع القوة لنصونها، ومواضع الضعف لنعالجها، ونتعلم من حلول المدن الأخرى. ويظل الاختبار الأقرب إلى المواطن: ماء يصل بانتظام، وعلاج متاح، وتعليم جيد، وحي نظيف، وفرصة عمل عادلة، وإدارة تنجز المعاملة دون إذلال أو واسطة.
ويتطلب هذا العمل مواطنة تجعل المصلحة العامة شأنًا شخصيًا. الموظف الذي يتقن عمله، والتاجر الذي يلتزم الأمانة، والسائق الذي يحترم الطريق، والمواطن الذي يصون المرفق ويبلغ عن الخلل، يشاركون في تحسين الحياة. وتبقى مسؤولية أصحاب القرار أكبر بحكم ما يملكونه من صلاحيات وموارد؛ فلا تُستعمل واجبات المواطن ستارًا على تقصير المؤسسات.
ويحتاج تماسكنا الاجتماعي إلى مواطنة متساوية تحفظ كرامة الجميع، على اختلاف أصولهم وألوانهم ولغاتهم ومناطقهم. نعالج المظالم بإنصاف، ونناقش التمييز بصراحة، ونفتح المجال لحوار يحترم الحقوق. ونرفض في الوقت نفسه التحريض والكراهية والعنف والتعميم على الجماعات. الوحدة التي تستند إلى العدل أقدر على الصمود، وأعمق أثرًا في شعور الناس بالانتماء.
وفي زمن المنصات، للكلمة مسؤولية مضاعفة. خبر لم يُتحقق منه، أو مقطع نُزع من سياقه، أو اتهام بلا دليل، قد يجرح سمعة ويؤجج خصومة. ومن الأمانة أن نتثبت قبل النشر، وأن نصحح حين نخطئ. يحتاج المجتمع إلى من يكشف الخلل بصدق، ومن يقدم المعلومة بدقة، ومن يتذكر أن كرامة الناس لا تسقط باختلاف الرأي.
ويحتاج نقاشنا أيضًا إلى طموح واقعي يحفظ القدرة على العمل. من حقنا أن نقلق وأن ننتقد، لكن التشاؤم الذي يحكم على كل جهد بالفشل، ويصور المستقبل بابًا مغلقًا، يستنزف الأمل دون أن يصلح الخلل. كما أن الوعود ببديل مثالي لا تستحق التصديق دون طريق واضح إليه. لنزن الأفكار بالدليل، والحلول بكلفتها وإمكان تنفيذها، ولنجعل الإصلاح بناءً مسؤولًا يحمي الناس ويقبل المراجعة والمحاسبة.
واسألوا المغتربين عن معنى أن يكون للإنسان وطن يعود إليه. كثيرون وجدوا في الخارج فرصًا مقدرة وحققوا نجاحًا، لكن الغربة قد تحمل عناء الإقامة والعقود، والبعد عن الأهل، والقلق على المستقبل. يستطيع المرء أن يحب بلدًا أقام فيه ويحترم أهله، وتبقى للوطن الأم منزلة خاصة: جذور يعرفها، ووجوه يألفها، وانتماء لا يحتاج إلى تجديده كل عام.
ومن مسؤوليتنا أن نجعل هذا الانتماء مصدر كرامة وفرصة؛ حتى يستطيع من أراد البقاء أن يعيش بعمله، ومن أراد العودة أن يجد طريقًا للمساهمة، ومن بقي في الخارج أن يظل موصولًا بوطن يحفظ له مكانه. وهذه غاية تحتاج إلى أمن مصون، وعدالة أقوى، وخدمات أفضل، وفرص أوسع.
هذا وطننا، ونحن المستفيدون من صلاحه، ونحن، لا قدر الله، أول المتضررين من تفككه وخرابه. وقد يجد بعضنا ملاذًا خارج الحدود، لكن لا ضمانة أن يجد الجميع وطنًا يعوض ما فقدوه. فلنحفظ الأمن، ونواجه الفساد، ونحاسب التقصير، ونصن التماسك، ونرفع سقف العمل والطموح. لدينا ما يستحق الحماية، وأمامنا ما يستحق الإصلاح؛ والوفاء لموريتانيا يقتضي الأمرين معًا.
المهندس: سيدنا عالي الحاج ويس

