موريتانيا: الغاز لا يصنع الغنى وحده / د. مولاي ولد أب ولد أكيك

خميس, 17/09/2026 - 21:43

الراصد : لطالما أحب الموريتاني القول إن بلاده غنية. وإن كان للعبارة ما يسندها: حديد وذهب ونحاس، وثروة سمكية معتبرة، وأراضٍ زراعية ومراعٍ واسعة، يضاف إليها اليوم مورد استراتيجي دخل فعليًا مرحلة الإنتاج والتصدير: الغاز، فإن امتلاك هذه الموارد لا يعني الغنى. فالثروة الطبيعية لا تصبح ثروة اقتصادية إلا عندما تتحول إلى إنتاج ودخل وفرص عمل وقدرة مستدامة على خلق القيمة.
الحقيقة التي تحدد غنى موريتانيا ليست ما نملكه، بل ما ننتجه بما نملك.
تستحق الأرقام الاقتصادية الراهنة قراءة متأنية، لا باعتبارها مجرد مؤشرات للنمو، وإنما بوصفها اختبارًا مبكرًا لما يمكن أن يضيفه الغاز إلى الاقتصاد الموريتاني. فقد نما الاقتصاد بنسبة 5.9% سنة 2024، قبل أن يتباطأ إلى 3.6% في 2025، وفق أرقام الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليلي الديموغرافي والاقتصادي، وهي السنة التي بدأ فيها إنتاج الغاز، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي نموًا في حدود 4.7% خلال 2026، مدفوعًا بارتفاع إنتاج الغاز وأسعار بعض السلع الأساسية. ولا تعني هذه الأرقام أن الغاز لم يضف شيئًا للاقتصاد، بل تعني أن أثره، في هذه المرحلة، لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن أداء القطاعات الأخرى وعن حركة الاستثمار العام والخاص.
بالفعل، بدأ الغاز يترك أثرًا مهمًا على الاقتصاد الكلي، من خلال دعم عائدات الصادرات والإيرادات العمومية والاحتياطيات، وتحسين وضع الحساب الجاري والمالية العامة. وهذه مكاسب حقيقية، لكنها تظل في جوهرها فرصة مالية واقتصادية، لا تحولًا مكتملًا في طريقة إنتاج الثروة داخل البلاد.
الإيرادات الناتجة عن تصدير الغاز يمكن أن توسع قدرة الدولة على الاستثمار، لكنها لا تبني وحدها اقتصادًا أكثر إنتاجية. والقضية ليست زيادة الإنفاق في حد ذاتها، وإنما تحويل جزء معتبر من هذه الموارد إلى أصول وقدرات إنتاجية تستمر آثارها بعد تراجع مساهمة القطاع الغازي: بنية تحتية أفضل، وتعليم وتكوين أكثر ارتباطًا بسوق العمل، وطاقة أكثر كفاءة وأقل كلفة، وتمويل أوسع للقطاع الخاص، وزراعة أكثر إنتاجية، وصناعات تحويلية، وخدمات قابلة للتصدير.
أما إذا اتجه جزء كبير من العائدات إلى الإنفاق والاستهلاك دون رفع مماثل في القدرة الإنتاجية، فإن أثرها سيكون أقصر عمرًا، وسيظل الاقتصاد أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار والإنتاج والطلب الخارجي.
ومن هنا تبرز الإنتاجية باعتبارها الحلقة التي تربط الموارد بالثروة. فالموارد تمنح الاقتصاد إمكانات، لكن الإنتاجية هي التي تحدد قدرته على تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة مستدامة.
لذلك لا ينبغي أن تظل الثروات المعدنية والسمكية والغازية مجرد مواد تُستخرج وتُصدّر، بل ينبغي أن تصبح أساسًا لسلاسل قيمة أوسع، تشمل الصناعات التحويلية، والخدمات المرتبطة بالإنتاج والتصدير، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمهارات المتخصصة، وفرص العمل الأكثر إنتاجية.
وهنا ينبغي أيضًا إعادة النظر في مفهوم إنتاجية العامل. فضعف الإنتاجية لا يرتبط دائمًا بجهد العامل وحده، بل يتشكل داخل بيئة إنتاجية متكاملة: تعليم لا يوفر المهارات المطلوبة، وتكوين مهني محدود، وتمويل مكلف، وبنية تحتية غير كافية، وتكنولوجيا ضعيفة، وأسواق لا تكافئ دائمًا المنتج الأكثر كفاءة.
لذلك فإن رفع الإنتاجية لا يعني مطالبة العامل ببذل جهد أكبر فحسب، وإنما تحسين الظروف التي تجعل جهده أكثر إنتاجًا. فعندما تتراكم المهارات والخبرات والتكنولوجيا داخل المؤسسات، يتحول الاستثمار في الإنسان من مجرد إنفاق اجتماعي إلى استثمار اقتصادي يرفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج، بما يتجاوز القطاعات الاستخراجية.
وينطبق هذا التحدي بوضوح على الزراعة. فامتلاك الأراضي والمياه لا يكفي لبناء قطاع زراعي قوي؛ إذ يتطلب الأمر تحسين الري والطاقة والبذور والخدمات الزراعية والتخزين والنقل والتصنيع والتسويق. وعندما تنتقل الزراعة من إنتاج أولي محدود إلى سلاسل متكاملة للإنتاج والتصنيع والتوزيع، فإنها تصبح قاعدة أكثر استقرارًا للدخل وفرص العمل والقيمة المضافة، وأقل اعتمادًا على الظروف المناخية والتدخلات الظرفية.
وهذا هو جوهر السياسة الاقتصادية المطلوبة: توجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على توسيع قاعدة الإنتاج ورفع الإنتاجية وخلق قيمة مضافة، لا مجرد زيادة الإنفاق دون أثر إنتاجي واضح.
فالفارق الحقيقي ليس بين اقتصاد يملك الموارد واقتصاد لا يملكها، بل بين اقتصاد يستخرج موارده ويستهلك عائداتها واقتصاد يستخدمها لبناء قدرات إنتاجية جديدة. الأول قد يحقق إيرادات مرتفعة عندما ترتفع أسعار موارده أو إنتاجها، لكنه يظل أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية. أما الثاني، فيبني قطاعات ومؤسسات ومهارات تستطيع الاستمرار والنمو حتى عندما تتغير أسعار الموارد أو ظروف إنتاجها.
الغاز، إذن، فرصة تاريخية ومورد مهم، لكنه لا يكفي وحده لصناعة مستقبل موريتانيا. فقيمة هذه الفرصة ستتحدد بقدرتنا على تحويل عائداتها إلى استثمارات توسع قاعدة الإنتاج، وترفع الإنتاجية، وتخلق فرص العمل والدخل، وتدفع نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على النمو.
الغنى الحقيقي لا يقاس بما نملكه من موارد، بل بما نستطيع أن نصنع بها.
وموريتانيا لا تحتاج فقط إلى موارد أكثر، وإنما إلى قدرة أكبر على تحويل مواردها إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة، والقيمة إلى دخل وفرص، ثم إلى تنمية مستدامة.