
الراصد : بعد الاطلاع على المعطيات المنشورة اليوم بشأن التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة عن سنتي 2024 و2025، أرى أن من المفيد قراءته بعيدًا عن التوظيف السياسي، لا بالتهليل له ولا بالتقليل من أهميته. فقد أظهر التقرير اختلالات ذات أثر مالي تجاوز 2.37 مليار أوقية جديدة من أصل نحو 32.86 مليار أوقية خضعت للتدقيق، كما أن الصفقات العمومية تصدرت مجالات الاختلالات، مستحوذة على نحو 60% من الأثر المالي المرصود.
وبالاعتماد على أرقام قانوني المالية للسنتين، يمكن إجراء مقارنة تقريبية مهمة:
ميزانية 2024 المعدلة: نحو 107.71 مليار أوقية جديدة.
ميزانية 2025: نحو 116.87 مليار أوقية جديدة.
وبالتالي تبلغ الميزانية الاسمية للسنتين معًا نحو 224.58 مليار أوقية جديدة.
أما تقرير المفتشية العامة للدولة فيشير إلى أن عمليات الرقابة خلال 2024 و2025 شملت مبالغ في حدود 32.86 مليار أوقية جديدة.
النسبة الحسابية
إذا قارنا مبلغ 32.86 مليار بإجمالي ميزانيتي السنتين:
32.86 ÷ 224.58 × 100 ≈ 14.63%
أي أن المبالغ التي خضعت للرقابة تعادل نحو 14.6% من مجموع الاعتمادات المدرجة في ميزانيتي 2024 و2025.
لكن هنا توجد ملاحظة مهمة جدًا: لا يصح وصف الـ14.6% بأنها “نسبة ما تم تفتيشه من ميزانية الدولة” بصورة قطعية؛ لأن مبلغ 32.86 مليار هو حجم الأموال العمليات التي شملتها مهام التفتيش، وقد تكون الرقابة شملت مؤسسات وبرامج وعمليات محددة، وليس بالضرورة كامل الإنفاق الحكومي بالطريقة نفسها التي تُحسب بها الميزانية السنوية.
وبالتالي، إذا أردنا صياغة دقيقة في التعليق السابق، يمكن القول:
> «لقد أخضعت المفتشية العامة للدولة خلال سنتي 2024 و2025 عمليات ومبالغ تناهز 32.86 مليار أوقية جديدة للرقابة، أي ما يعادل حسابيًا نحو 14.6% من مجموع الاعتمادات المرصودة في ميزانيتي السنتين، البالغة نحو 224.58 مليار أوقية جديدة. غير أن هذه النسبة تبقى مقارنة حسابية وليست نسبة رسمية لحجم الميزانية التي خضعت للتفتيش.»
وهذه النقطة، في رأيي، تجعل قراءة التقرير أكثر أهمية: فإذا كان الرقم 32.86 مليار هو بالفعل كامل حجم الأموال التي خضعت لمهام التفتيش خلال عامين، فإن السؤال المشروع هو: **هل يمثل هذا نطاقًا رقابيًا كافيًا قياسًا بحجم المال العام الذي أُدير خلال الفترة؟**
وفي المقابل، يظل السؤال الأهم ليس فقط: ماذا اكتشفت المفتشية؟ بل أيضًا: ماذا سيحدث بعد اكتشافه؟ فالتقرير يذكر استرجاع أو وضع مبالغ في مسار الاسترجاع، وإحالة ملفات ذات أثر مالي معتبر إلى القضاء، واتخاذ إجراءات إدارية من بينها إقالة 20 موظفًا وتحويل آخرين وتوجيه إنذارات.
ومن هنا فإن قيمة التقرير الحقيقية لن تُقاس بحجم الأرقام التي كشفها، وإنما بمدى تحويل نتائجه إلى مساءلة قانونية عادلة، واسترداد فعلي للمال العام، وإصلاح لمواطن الخلل، ومنع تكرارها. كما أن محدودية عدد مهام التفتيش المكتملة، والتي بلغت 28 مهمة خلال عامين، تطرح بدورها سؤالًا مشروعًا حول مدى اتساع نطاق الرقابة مقارنة بحجم الإدارة والموارد العمومية التي ينبغي إخضاعها للتدقيق.
والإنصاف يقتضي القول إن نشر التقرير أمام الرأي العام خطوة إيجابية في اتجاه الشفافية، لكنه في الوقت نفسه ليس نهاية معركة مكافحة الفساد، بل بدايتها الحقيقية؛ لأن المواطن لا يريد فقط أن يعرف حجم الاختلالات، وإنما يريد أن يرى المال العام مصانًا، والمخالف مسؤولًا أمام القانون، والمؤسسة قادرة على منع تكرار الخلل.
العبرة إذن ليست في التقرير وحده، وإنما في ما سيترتب عليه. فحين تتحول تقارير الرقابة إلى قرارات وإجراءات مستمرة لا تستثني أحدًا، تصبح أداة إصلاح حقيقية؛ أما إذا بقيت الأرقام حبيسة التقارير والأرشيف، فإن الشفافية تتحول إلى مجرد معرفة بحجم المشكلة دون قدرة على معالجتها.
