
الراصد: إذا كان رحيل حكومة المختار ولد اجاي قد أصبح، في نظر كثير من الموريتانيين، مطلباً مشروعاً بعد حصيلة لم ترقَ إلى مستوى التطلعات، فإن السؤال الأخطر اليوم ليس: متى يرحل ولد اجاي؟ وإنما: من سيأتي بعده؟ وهل ستعود معظم نفس التشكيلة الفاشلة بقيادة جديدة.
فهنا تكمن المفارقة التي يجب أن يتوقف عندها الجميع!.
قد يكون من السهل تحميل الوزير الأول مسؤولية التعثر الحكومي، وقد يكون من المشروع القول إن الرجل أصبح جزءاً من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل، لكن الأسوأ من حكومة فقدت الكثير من بريقها، هو أن تأتي بحكومة تحتفظ بمعظم التشكيلة التي لا تملك أصلاً مقومات للإصلاح.
وإذا كانت بعض الأسماء التي يجري تداولها لخلافة ولد اجاي هي فعلاً الأسماء المطروحة، فإن علينا أن نكون أكثر صراحة، إذ ليس كل تغيير إصلاحاً، وليس كل بديل أفضل من سلفه.
من فشل الحكومة إلى فشل اختيار البديل
هناك فرق كبير بين أن تكون الحكومة الحالية موضع انتقاد واسع، وبين أن تكون كل شخصية بديلة قادرة على إنقاذ الوضع.
لقد أصبح فشل الحكومة الحالية، في جوانب عديدة، حديثاً عاماً لا يحتاج إلى كثير من الأدلة.
فالمواطن يرى ارتفاع تكاليف الحياة، وضعف الخدمات، وتعقيد الإدارة، وتراجع الثقة، حتى عند مقارنة الوعود بالنتائج.
لكن هل يعني ذلك أن أي شخصية جديدة ستكون أفضل؟ بالتأكيد لا.
ولعل بعض الأسماء المتداولة تضعنا أمام احتمال أكثر سوءاً، حول استبدال تجربة لم تنجح بتجارب قديمة لم تعد مقنعة، أو بشخصيات لم تختبر قدرتها أصلاً على إدارة حكومة وبلد.
وهذا ليس إصلاحاً.، بل مقامرة بمستقبل البلاد، وإعادة تدوير الوجوه ليست مشروع دولة ناجحة.
فموريتانيا ليست بحاجة إلى لعبة الكراسي الموسيقية داخل الحكومة، حيث كلما فشلت حكومة، يتم تغيير بعض الوجوه، ثم تعود أسماء من الماضي، أو تظهر أسماء جديدة لا يعرف المواطن ما الذي يؤهلها لتولي مسؤوليات بهذا الحجم.
ثم تبدأ التصريحات والوعود، وتنتهي الحكاية بعد أشهر إلى النتيجة نفسها، هذه الطريقة في إدارة الدولة يجب أن تنتهي.
فالبلد لا يحتاج إلى وزراء يبحثون عن المناصب، وإنما إلى مسؤولين يبحثون عن الحلول.
ولا يحتاج إلى شخصيات بارعة في بناء العلاقات والنفوذ، وإنما إلى شخصيات قادرة على بناء المؤسسات.
ولا يحتاج إلى حكومة تتقن إدارة الصورة الإعلامية، وإنما إلى حكومة تستطيع أن تقدم للمواطن نتيجة ملموسة.
الأسوأ من ولد اجاي ليس مستحيلاً
هذا الكلام قد يبدو قاسياً ، لكنه ضروري، فيمكن أن ننتقد ولد اجاي بشدة، وأن نحمّله مسؤولية ما نراه من إخفاقات حكومية، لكن ذلك لا يمنح شيكاً على بياض لأي بديل قادم.
فإذا كلف شخص بلا تجربة حقيقية، فكيف ننتظر منه قيادة حكومة تواجه ملفات معقدة؟
وإذا جاء شخص مجرب، لكن تجربته السابقة لم تقنع الرأي العام، فلماذا نعيده إلى الواجهة؟
وإذا كان الشخص المرشح جزءاً من منظومة إدارية وسياسية أنتجت المشاكل نفسها، فكيف يمكن أن نتوقع منه أن يكون هو الحل؟
المشكلة ليست في تغيير الأشخاص فقط، وإنما في تغيير المنطق والمعيار الذي يتم على أساسه اختيار الأشخاص.
وفي خضم هذا الجدل، أجد أن من واجبنا، على الاقل، في الحوض الشرقي، أن نقولها بوضوح، اننا نعتذر عن تقديم مرشح جديد لرئاسة الحكومة، إذا كان المطلوب مجرد اسم من الولاية يضاف إلى قائمة الأسماء، دون أن يحمل مشروعاً مختلفاً أو عقلية مختلفة.
فالولاية ليست بحاجة إلى وزير أول من أبنائها لمجرد تسجيل حضور سياسي، وغياب تنموي.
بل إن الحوض الشرقي بحاجة هذه المرة إلى من يمثل موريتانيا كلها، ويعرف أن الدولة أكبر من الولاية، وأن المسؤولية الوطنية أكبر من الانتماءات المحلية.
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن جزءاً من نخبنا وأطرنا لا يزال يعيش بعقلية الماضي؛ عقلية تبحث عن النفوذ الشخصي والقبلي والتعيينات أكثر مما تبحث عن إصلاح الإدارة وتحقيق التنمية.
وهذه العقلية نفسها هي التي أوصلت البلاد إلى كثير من الاختلالات التي ننتقدها اليوم.
لذلك، ليس من الحكمة أن نطالب بمنصب وزاري لأحد أبناء الحوض الشرقي لمجرد أنه من الحوض الشرقي.
بل المطلوب أن نسأل أولاً: ماذا سيقدم؟، وما مشروعه؟ وما الذي يميزه عن غيره؟، وماذا سيغير في حياة المواطن؟
أما أن يكون المعيار هو المنطقة أو القبيلة أو شبكة الغاوون، فذلك بالضبط ما يجب أن نتجاوزه إذا كنا نريد دولة حديثة.
موريتانيا لا تحتاج إلى حكومة ترضي النخب المسنة والفاسدة.
لقد ملّ المواطن من الحكومات التي ترضي عجائز السياسيين أكثر مما ترضي المواطنين، وملّ من التعيينات التي تُبنى على التوازنات أكثر مما تُبنى على الكفاءة، وملّ من الوزراء الذين يصلون إلى مكاتبهم حاملين ملفات السياسيين والأقارب والأصدقاء والشعراء والغاوون، بينما تبقى ملفات المواطن في أسفل القائمة، وملّ من الحديث عن الإصلاح في المؤتمرات، بينما تظل الإدارة على حالها، والخدمات ضعيفة، والفرص محدودة، والعدالة في توزيعها موضع شك دائم.
لذلك فإن أي حكومة جديدة لا تبدأ من هذه الحقيقة ستكون مجرد حكومة أخرى تضاف إلى قائمة الحكومات السابقة.
إلى صاحب القرار
إذا كان القرار قد اتُخذ فعلاً بتغيير الحكومة، فإن المطلوب ليس البحث عن شخصية تستطيع تشكيل حكومة بسرعة، وإنما البحث عن شخصية تستطيع إعادة بناء الثقة.
ولا ينبغي أن يكون السؤال حول، من هو الأكثر قرباً؟ ومن يملك شبكة علاقات أكبر؟ ومن لديه حظوظ أكبر في تمرير اسمه؟
بل يجب أن يكون السؤال، هو من يستطيع أن ينجز؟، ومن يستطيع أن يفرض الانضباط داخل الإدارة؟، ومن يستطيع أن يواجه الفساد والمحسوبية؟، ومن يستطيع أن يجعل الوزراء يعملون بدل أن يتفرغوا للمناسبات؟، ومن يستطيع أن يقدم نتائج يمكن للمواطن أن يلمسها؟، ومن يستطيع أن يقول "لا" عندما تكون "نعم" هي الطريق الأسهل؟
لا تستبدلوا أزمة بأزمة
إذا كان ولد اجاي قد أصبح، في نظر منتقديه، جزءاً من الأزمة، فإن الخطيئة السياسية الكبرى ستكون استبداله بشخصية أضعف منه، أو أقل تجربة، أو أكثر ارتباطاً بالماضي.
وعندها لن يكون الشعب أمام حكومة جديدة، وإنما أمام نسخة جديدة من المشكلة نفسها.
بل إن بعض البدائل، إذا صحت الأسماء المتداولة حولها، قد تجعل المواطن يقول بعد فترة قصيرة: رحم الله ولد اجاي ما اعدله، وهنا تكون الكارثة، فالمطلوب ليس حكومة جديدة بأي ثمن، وإنما حكومة أفضل، وليست حكومة تُرضي النخب، وإنما حكومة تخدم الدولة، وليست حكومة تعيد الماضي، وإنما حكومة تقطع معه، وليست حكومة تتقاسم المناصب، وإنما حكومة تتقاسم المسؤوليات وتحاسب على النتائج.
ومهما يكن من أمر، فإن التغيير، إذا كان تكليف أحد المرشحين بمجرد تدوير للأسماء والوجوه المعروفة، فإن موريتانيا لا تحتمل حكومة أسوأ..!.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر
