
الراصد: ليس أخطر على الأمم من أن تُزيَّن لها الأخطاء حتى تراها فضائل، وأن تُلبس السياسات ثوب العدالة وهي في حقيقتها تُعيد إنتاج التفاوت والانقسام. ومن هنا يبرز سؤال لا ينبغي الهروب منه: لماذا نواصل خداع أنفسنا؟ ولماذا نصرّ على جعل التمييز الإيجابي غايةً في ذاته، بدل أن يكون مجرد وسيلة استثنائية لمعالجة اختلالات محددة؟
لا وطن ينهض إذا أصبح الانتماء إلى فئة أو جهة أو عِرق أو قبيلة أو شريحة اجتماعية هو جواز المرور إلى الحقوق والفرص. فالأوطان تُبنى بالمواطنة، وتُحفظ بالعدل، وتزدهر بالكفاءة. أما حين يُقدَّم الانتماء على الاستحقاق، فإننا لا نصنع عدالة، بل نستبدل ظلمًا بظلم، ونؤسس لانقسامات جديدة قد تكون أشد خطرًا من المشكلات التي أردنا علاجها.
إن العدالة ليست أن نُقسِّم المواطنين إلى فئات متنافسة على الامتيازات، وإنما أن نجعل القانون فوق الجميع، وأن تكون الفرص مفتوحة لكل مجتهد، دون تمييز أو محاباة. فالفقير يستحق الدعم لأنه فقير، والمهمَّش يستحق الإنصاف لأنه مهمَّش، لا لأن اسمه أو أصله أو انتماءه يمنحه حقًا دائمًا في التفضيل.
وكم من أمة دفعت ثمن سياسات قسمت أبناءها إلى أصحاب امتيازات وأصحاب مظالم، حتى غابت الكفاءة، وضعفت المؤسسات، وساد الشعور بأن النجاح لا تصنعه الجدارة، وإنما تصنعه الهوية. وعندها يخسر الجميع، لأن الدولة التي لا تكافئ الكفاءة محكوم عليها أن تتراجع، مهما رفعت من شعارات الإنصاف.
إن التحدي الحقيقي ليس في توزيع الامتيازات، بل في إزالة أسباب الحاجة إليها. فحين يتساوى الناس في جودة التعليم، وعدالة القضاء، وإتاحة فرص العمل، وتوزيع التنمية، يصبح الحديث عن التمييز الإيجابي أقل ضرورة، لأن العدالة تكون قد تحققت من جذورها، لا من خلال حلول مؤقتة قد تتحول إلى واقع دائم.
الوطن لا يسأل أبناءه: من أي فئة أنتم؟ بل يسألهم: ماذا قدمتم؟ وما الذي أضفتم إلى نهضته؟ فالأمم لا تُقاس بعدد الامتيازات التي تمنحها، وإنما بقدرتها على صناعة مواطن يؤمن أن مستقبله تحدده كفاءته وعمله، لا نسبه ولا انتماؤه.
إن أخطر أنواع الخداع هو أن نقنع أنفسنا بأن مصلحة الوطن تتحقق بتغليب الاعتبارات الفئوية على المصلحة العامة. فالوطن لا ينتصر إلا حين يشعر كل مواطن أن حقه محفوظ، وأن ميزان الدولة لا يميل إلا للعدل، وأن أبوابها لا تُفتح إلا لمن يستحق.
إننا بحاجة إلى خطاب يُعلي قيمة المواطنة، ويجعل العدالة للجميع، ويعتبر الكفاءة معيارًا لا يُستثنى منه أحد. فحين ينتصر الوطن تنتصر جميع فئاته، وحين يُهزم الوطن فلن تنجو فئة مهما كثرت امتيازاتها.
فالعدل لا يكون بالتمييز، وإنما بإقامة ميزان واحد للجميع، والوطن لا يبنيه أصحاب الامتيازات، بل يبنيه المواطنون المتساوون في الحقوق، والمتنافسون في خدمة وطنهم، والمتسابقون إلى الإبداع والعمل والعطاء.
فلنحافظ على الوطن، ولنجعل وحدتنا سبيلاً إلى عزِّته، وتعاوننا أساسًا لبناء مستقبله؛ فالأوطان لا تُصان إلا بتكاتف أبنائها، ولا تُشيَّد نهضتها إلا بسواعدهم وقلوبهم المؤمنة بوحدة مصيره.
