
الراصد : ما يجري في نواذيبو ليس مجرد “تنظيم للأرصفة”، بل هو نموذج مصغر لصراع أعمق بين سلطة تسعى لفرض النظام، ومجتمع يرزح تحت اقتصاد هش يدفعه دفعًا إلى الفوضى.
في الظاهر، تبدو الحملة خطوة طبيعية: إعادة الاعتبار للملك العمومي، إنهاء احتلال الأرصفة، وتحسين وجه المدينة. وهي أهداف لا يمكن الطعن في مشروعيتها، خاصة في مدينة حيوية مثل نواذيبو التي تُعد واجهة اقتصادية للبلاد. لكن، حين نقترب أكثر، تتكشف مفارقة مؤلمة:
البلدية تطبق القانون… ولكن على حساب من؟
أصحاب المحلات الذين طُلب منهم إخلاء الأرصفة ليسوا في الغالب “مخالفين متعمدين”، بل ضحايا واقع اقتصادي خانق. الأرصفة بالنسبة لهم ليست ترفًا، بل امتداد قسري لمحلات ضيقة، ووسيلة للبقاء في سوق تتآكل فيه القدرة الشرائية، وتغيب فيه البدائل.
هنا تكمن المشكلة الحقيقية:
السلطة تتحرك بمنطق إداري بحت، بينما الواقع يتطلب مقاربة اجتماعية اقتصادية أعمق.
مهلة يومين أو ثلاثة لإخلاء الأرصفة قد تبدو إجراءً روتينيًا في دفتر الإدارة، لكنها في حياة تاجر بسيط تعني خسارة مباشرة، وربما انهيار نشاطه بالكامل. فهل وفرت السلطات بدائل؟
هل تم التفكير في أسواق منظمة؟
هل وُجدت حلول انتقالية؟
أم أن الأمر مجرد أوامر تُنفذ؟
المفارقة الأكبر أن هذه الحملات غالبًا ما تكون موسمية وانتقائية:
تُفعّل فجأة، ثم تختفي، ثم تعود.
وفي كل مرة، يدفع الحلقة الأضعف الثمن.
ما يحدث في مناطق “الحنفية الرابعة” و“الخامسة” و“سينما” ليس فقط إزالة بضائع من أرصفة، بل هو إعادة رسم لعلاقة مختلة بين الدولة والمواطن:
الحل لا يكمن في ترك الفوضى، ولا في فرض النظام بالقوة، بل في التوازن بين الاثنين:
تنظيم تدريجي،
حوار مع الفاعلين،
توفير بدائل حقيقية،
ومهل زمنية واقعية.
غير ذلك، سنبقى أمام نفس المشهد يتكرر:
حملات مفاجئة، غضب شعبي، ثم عودة تدريجية للفوضى… وكأن شيئًا لم يكن.
عن الإتحاد
