نحو إصلاح متوازن للسياسة الجبائية وتعزيز الثقة في المالية العمومية

جمعة, 13/02/2026 - 20:24

تعكس أرقام الميزانية العامة للدولة لسنة 2026 استمرار اعتماد المالية العمومية على الموارد الضريبية كمصدر رئيسي لتمويل النفقات العمومية، حيث تشكل الضرائب النسبة الأكبر من إجمالي الموارد. ويُفهم هذا التوجه في ظل تزايد متطلبات الدولة الحديثة، وارتفاع كلفة التسيير والاستثمار، والحاجة إلى تمويل الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية.

غير أن الإشكال لا يكمن في وجود الضرائب في حد ذاتها، بل في درجة الاعتماد شبه الكلي عليها، وفي السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تُفرض فيه. فحين تتحول الجباية إلى المورد الأساسي بدل أن تكون أحد الموارد، يصبح من المشروع التساؤل حول فعالية السياسات الاقتصادية، وحول قدرة الدولة على تنويع مصادر دخلها واستثمار ثرواتها الطبيعية والبشرية.

الاعتماد على الجباية وحدود الاستدامة

إن استمرار الاعتماد المكثف على الضرائب يعكس هشاشة بنيوية في الاقتصاد الوطني، حيث لم تنجح القطاعات الإنتاجية، رغم ما تمتلكه البلاد من موارد، في لعب الدور المنتظر منها في تمويل الميزانية. فالاقتصادات المستقرة لا تبنى على الضغط الضريبي وحده، بل على خلق القيمة، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، بما يخفف العبء عن المواطن ويضمن استدامة الموارد العمومية.

وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي القائم، والانتقال من منطق الجباية التعويضية إلى منطق التنمية المنتجة، التي تجعل من الثروات الطبيعية رافعة حقيقية للنمو، لا مجرد مورد محتمل غير مستغل أو ضعيف العائد.

الثروات الوطنية بين الإمكانات والواقع

تمتلك البلاد إمكانات طبيعية كبيرة ومتنوعة: معادن استراتيجية، موارد طاقوية واعدة، ثروة سمكية معتبرة، إضافة إلى ثروة حيوانية ضخمة وأراضٍ زراعية قابلة للاستصلاح. غير أن هذه الثروات لم تنعكس، إلى اليوم، بشكل ملموس على حياة المواطنين، سواء من حيث فرص العمل أو تحسين مستوى الدخل أو جودة الخدمات العمومية.

ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى ضعف الحكامة، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، وعدم ربط استغلال الموارد الوطنية بسياسات اجتماعية وتنموية واضحة، تضمن توزيعًا عادلًا للعوائد، وتحوّل الثروة من أرقام في التقارير إلى واقع يلمسه المواطن.

البعد الاجتماعي للسياسة الجبائية

في ظل هذا الواقع، يواجه المواطن تحديات يومية متزايدة: بطالة، ارتفاع مستمر في الأسعار، ضعف في القدرة الشرائية، وتراجع في جودة الخدمات الأساسية. ومع غياب شبكات حماية اجتماعية فعالة، تتحول الضرائب من أداة تضامن وطني إلى عبء إضافي يفاقم الإحساس بالهشاشة واللاعدالة.

فالسياسة الجبائية لا تُقاس فقط بحجم ما تحصّله الدولة، بل بمدى عدالتها الاجتماعية، وقدرتها على مراعاة الفئات الضعيفة، وربط المساهمة الضريبية بتحسين ملموس في ظروف العيش.

الحكامة والشفافية كشرط أساسي

إن أي نقاش جاد حول الضرائب لا يمكن فصله عن مسألة الحكامة. فغياب الشفافية، وضعف آليات الرقابة والمساءلة، وانتشار الفساد والمحسوبية، كلها عوامل تقوّض الثقة بين المواطن والدولة، وتجعل من أي عبء ضريبي إضافي مصدر توتر اجتماعي بدل أن يكون مساهمة طوعية في بناء الوطن.

كما أن اختلال معايير الكفاءة في التعيينات، وتغليب الاعتبارات الضيقة على المصلحة العامة، يؤدي إلى إضعاف المؤسسات، ويحدّ من قدرتها على تنفيذ السياسات العمومية بفعالية، مهما توفرت لها الموارد.

الضرائب كعقد ثقة لا كأداة إكراه

في التجارب الناجحة، تقوم الضرائب على عقد ثقة واضح: يدفع المواطن لأنه يرى أثر مساهمته في طرق معبّدة، ومستشفيات فعالة، ومدارس جيدة، وإدارة محترفة. أما حين يغيب هذا الأثر، وتُهدر الموارد، فإن الخطاب الذي يبرر الضرائب يفقد مصداقيته، وتصبح المقارنات مع دول أخرى غير ذات معنى.

فالمقارنة لا تكون عادلة إلا بين دول متقاربة في مستوى الخدمات، وجودة البنية التحتية، ودرجة الشفافية، واحترام القانون.

نحو إصلاح متكامل

إن حماية استقرار البلاد ومستقبلها تقتضي مقاربة شاملة تقوم على:

• تنويع مصادر تمويل الميزانية وتقليل الاعتماد على الجباية؛

• تحسين استغلال الموارد الطبيعية وربطها بالتنمية المحلية؛

• إصلاح منظومة الحكامة وتعزيز الشفافية والمساءلة؛

• جعل السياسة الجبائية أداة للعدالة الاجتماعية لا عبئًا إضافيًا.

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع الضرائب، بل ببناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، وقادرة على تحويل الثروة الوطنية إلى تنمية  يشعر بها الجميع .

سيدي محمد محمد الشيخ