
الراصد : في ظل تحديات هيكلية عميقة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة وبرامج تنموية طموحة، ينزلق الجدل السياسي في موريتانيا نحو فرضية التمديد لرئيس الجمهورية الحالي، رغم القيود الدستورية المحدِّدة لعدد الولايات الرئاسية، على حساب القضايا التنموية الجوهرية.
في الوقت الذي تواجه فيه موريتانيا تحديات هيكلية عميقة، تتطلب بلورة رؤية استراتيجية واضحة وحشد الجهود حول برامج تنموية طموحة، يبدو أن الجدل السياسي بدأ ينزلق نحو فرضية التمديد لرئيس الجمهورية الحالي، رغم القيود الدستورية التي تحدُّ من عدد الولايات الرئاسية. وهي مسألة سبق أن أُثيرت في عهد سلف الرئيس الحالي، كما طُرحت في العديد من دول المنطقة وخارجها، غير أنها اليوم مرشحة لأن تستحوذ على اهتمام الفاعلين السياسيين والرأي العام، على حساب القضايا التنموية الجوهرية.
وتُغذّي هذه الفرضية موجة متنامية من الإشاعات، مدفوعة بتكاثر التصريحات الصادرة عن فاعلين سعيًا وراء الترقي داخل دوائر النفوذ. ويبدو أن سباقًا محمومًا انطلق للدعوة لولاية ثالثة، ولو تطلّب ذلك الدوس على كل ما حققه البلد من مكاسب في سبيل إرساء أسس تداول سلمي للسلطة.
سباق الولاء وتبرير مراجعة الدستور
تهدف هذه المواقف إلى تسويغ فكرة مراجعة الدستور، عبر التلميح والإيحاء وأحيانًا التصريح المعلن، للسماح للرئيس الحالي بالترشح لولاية ثالثة. ومن المرجح أن تتزايد مثل هذه الدعوات كلما اقتربت نهاية الولاية الراهنة، في إطار تنافس محموم للتقرب من السلطة وما يترتب على ذلك من امتيازات.
وفي هذا السياق، لا يتردد بعض الفاعلين في التضحية بالمكاسب الدستورية المحدودة التي حققها البلد بعد تجربة مريرة، متبنين الشعار المشبوه: «لينهدم البئر ما دام الحمار قد ارتوى». ولا يكترث هؤلاء بالتراجع الديمقراطي الذي سيحصل، ولا بنقض العهود، ولا بالحنث بالقسم الدستوري، ما دام ذلك يتيح لهم استقطاب رضى السلطة ونيل مكافآتها.
ويزداد تمرير مثل هذا التوجه سهولة في ظل المستوى المحدود للوعي المدني بين السكان، إذ يمكن تعبئة ما يُعرف بـ«موريتانيا الأعماق»، بما تضمه من شبكات أعيان ووجهاء ونخب انتهازية، دائمة السعي إلى كسب ريع ومنافع السلطة.
وعندئذ، سيتكفّل ما تزخر به البلاد من قانونيين وخبراء، وبفضل ما يملكونه من براعة، بالبحث عن الصيغة «السحرية» لإخراج سيناريو المراجعة الدستورية وإضفاء الشرعية عليها. ولا يزال الكثيرون يتذكرون مبادرة «بطاقة التصويت الحيادي» الفاشلة سنة 2007، التي كان يُراد منها تمهيد الطريق للتمديد لرئيس المرحلة الانتقالية آنذاك.
تقييد الولايات: صمام أمان دستوري
قد يرى البعض أن الحد من عدد الولايات الرئاسية الذي أقره الدستور عقب مراجعته سنة 2006 ليس مقدسًا في حد ذاته، وأنه يمكن رفعه بالآلية نفسها التي وُضع بها، بما في ذلك عن طريق الاستفتاء الدستوري، استنادًا إلى مبدأ تماثل الإجراءات القانونية.
غير أن جوهر الإشكال لا يكمن هنا، إذ إن المسألة ليست قانونية بقدر ما هي سياسية وأخلاقية بامتياز. فتحديد عدد الولايات الرئاسية، الذي أُقر سنة 2006 عقب مرحلة طويلة من الاستبداد والتي لا يزال الموريتانيون يدفعون ثمنها، لم يكن مجرد إجراء تقني، بل شكّل صمام أمان في وجه الانزلاق السلطوي.
توافق وطني لا يجوز العبث به
وقد جاء هذا القيد الدستوري ثمرة توافق وطني واسع، شاركت فيه النخب السياسية وغالبية الرأي العام، باعتباره قطيعة مع أنماط تداول السلطة الموروثة عن الماضي، والتزامًا أخلاقيًا جماعيًا لإرساء أسس حوكمة رشيدة.
وعليه، فإن أي محاولة للعبث بهذا القيد، مهما كانت صيغتها وآلياتها ومبرراتها، من شأنها أن تقوّض الأسس الهشة لبناء الدولة، وتمس بشرعية السلطة ذاتها، وتؤدي إلى تقويض توافق وطني تحقق بصعوبة، فضلًا عن التراجع عن المكاسب المحدودة في مجال الحوكمة.
فضلًا عن ذلك، فإن هذا المسار سيُضعف الاستقرار النسبي الذي يمثل اليوم أهم مكسب للبلاد في محيط إقليمي ودولي يلفه عدم الاستقرار، وقد يعيد البلاد إلى دوامة جديدة من عدم الاستقرار ويعيق مساره التنموي.
كما ستتعرض صورة موريتانيا على الصعيد الدولي لضرر بالغ، إذ ترتبط التنمية وجاذبية الدول، إلى حد كبير، بصورتها في الخارج، لا سيما في سياق استقطاب الاستثمارات الأجنبية الضرورية لاستغلال الموارد الوطنية وتنويع الاقتصاد.
التباس سياسي قبيل الحوار الوطني
إن تحديد عدد الولايات الرئاسية يمثل التزامًا ينبغي احترامه بدقة إذا كنا نريد بناء مؤسسات راسخة. فالدول الأكثر استقرارًا وتقدمًا هي تلك التي نجحت في إرساء قواعد ثابتة تسمو على النخب الحاكمة.
أما المساس بهذه المعادلة، فيفتح الباب أمام الانحرافات ويُضعف مجمل البنيان المؤسسي. ومن ثم، ينبغي تقديم استقرار الدولة على الحسابات الضيقة ومزاج الحكام، وعدم إعادة فتح هذا الملف مع نهاية كل ولاية، لما في ذلك من مساس بمبدأ دولة القانون وحصانة الدستور.
من المهم التذكير بأن هذه الدعوات لتجاوز الدستور لم تُعتمد علنًا من قبل رئيس الجمهورية أو دائرته المقربة. غير أن مواقف بعض كبار المسؤولين، التي لم تُقابل بنفي أو توبيخ، كفيلة بإثارة الشكوك.
ويزداد هذا الالتباس حدةً نظرًا لتزامن هذه الدعوات مع قرب إطلاق حوار وطني يُفترض أن يعيد بناء الثقة بين الفاعلين، ويعزز التوافق الوطني، ويعالج الملفات العالقة، ويحسن من نظم الحوكمة. إذ إن إدراج هذه المسألة ضمن جدول أعمال الحوار المرتقب من شأنه تقويض المسار من أساسه وإجهاض مبادرة كانت تُعلّق عليها الآمال.
ويكشف هذا الجدل عن ظاهرة مقلقة في الحياة السياسية الوطنية، تتمثل في ميل النخب إلى تصوير الحاكم قائدًا مُخلِّصًا، أحيانًا رغمًا عنه. وتعكس هذه الشخصنة المفرطة ضعف الثقة في المؤسسات.
ولا بد من التأكيد أنه لا وجود لـ«منقذ» في السياسة، كما أن البلد ليس بحاجة إلى قائد ملهم، وإنما إلى ترسيخ مؤسساته ونُظمه الدستورية وتهيئة الأجواء لتوافق وطني مستدام.
آمال خائبة وإصلاحات مؤجلة
وبالنظر إلى الحقبة الماضية، يتضح أن الآمال التي عُلّقت على رئيس الدولة الحالي كانت مبالغًا فيها. إذ لم يكن في مساره أو في سياق وصوله إلى السلطة ما يبرر توقع قطيعة مع ممارسات الماضي.
فقد جاء الرجل إلى الحكم من رحم نظام وُصف بالفاسد، وكان طرفًا فاعلًا في انقلاب أطاح برئيس منتخب، والتزم الصمت إزاء انحرافات سلفه، بما يجعله امتدادًا لنهج حكم مضطرب يدوم منذ أربعة عقود.
كما أن إعادة تدوير نخب متهمة بالفساد، واعتماد منطق التوافق الهش، والتردد في اتخاذ قرارات حازمة، كلها عوامل أسهمت في تفشي الفساد واستمرار الإفلات من العقاب.
وقد بلغت خيبة الأمل الشعبية تجاه هذا النمط من الحكم مستوى غير مسبوق. ومع ذلك، لم تعرف الموارد العمومية في أي وقت مضى الطفرة الحالية، مدفوعة بزيادة الضغط الضريبي وبداية تنويع الاقتصاد.
غير أن الفئات الأكثر هشاشة تشعر، وبحق، بأنها مقصية، فيما تستأثر أقلية من رجال الأعمال المرتبطين بالنخب الحاكمة بحصة الأسد من عائدات النمو، في ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة وضعف الإرادة السياسية.
ناقوس الخطر
وخلاصة القول، إن الجدل حول الولاية الثالثة يكشف سلم أولويات مقلق، يتقدم فيه هاجس بقاء النظام على احترام الدستور والاستجابة لتطلعات المواطنين.
فالسعي إلى البقاء في السلطة عبر حيل قانونية وتعبئة شبكات الزبونية وصفة بالية، في وقت تحتج فيه فئات واسعة من الشباب مطالبة بعيش كريم وخدمات عمومية أفضل وعدالة اجتماعية أشمل.
ولا سبيل لتفادي العاصفة سوى عبر التزام حازم بمحاربة الفساد، وإطلاق إصلاحات طموحة، وتقديم حلول ملموسة لمعالجة الإحباط الشعبي.
عبد الرحمن اليسع
أكاديمي
محمد المنير
أكاديمي
