
الراصد : ليست المشكلة في خطاب رئيس الوزراء الموريتاني المختار ولد أنجاي أنه يفتقر إلى الأرقام، بل في أنه يفيض بها إلى الحد الذي يُغرق المعنى. فمن يستمع إلى الخطاب، يخرج بانطباع دولة تتحسن، واقتصاد يتعافى، وسياسات اجتماعية تتقدم؛ غير أن من يخرج إلى الشارع، إلى السوق، إلى المدرسة، إلى المستشفى، يصطدم بحقيقة مغايرة، كأن الخطاب قادم من بلدٍ آخر، أو من طبقة لا تعيش ما يعيشه الناس.
ومن موقعي كقارئ للواقع لا للنصوص الرسمية، أجد نفسي مضطرًا إلى طرح السؤال الذي تهرب منه الخطابات التقنية: إذا كانت السياسات ناجحة كما تقول الأرقام، فلماذا لا نرى أثرها في الحياة اليومية للمواطن؟
لقد علّمنا الفكر السياسي، من أرسطو إلى هانا أرندت، أن السياسة ليست فن الحساب، بل فن تدبير العيش المشترك. الأرقام، في ذاتها، لا تكذب؛ لكنها قد تُستعمل للكذب حين تُعزل عن السياق الاجتماعي. فحين يتحول النمو الاقتصادي إلى نسبة مجردة، وينفصل عن القدرة الشرائية، وعن كرامة العمل، وعن جودة التعليم والصحة، فإنه يفقد مضمونه الأخلاقي والإنساني، ويغدو – بتعبير أمارتيا سن – «نموًا بلا تنمية».
إن ما يقدمه خطاب المختار ولد أنجاي هو صورة دولة تقنية، تُدير الملفات، وتُحسن العرض، لكنها تعجز عن إقناع المواطن، لا لأن المواطن يكره الإنجاز، بل لأنه لا يلمسه. فالتنمية، كما يؤكد جون رولز، لا تُقاس بما تحققه الدولة في المتوسط، بل بما تحققه للفئات الأضعف. ومن هذا المنظور، فإن غياب التحسن الملموس في أوضاع الشباب، والطبقات الهشة، والمناطق المهمشة، يجعل أي حديث عن التقدم ناقصًا، مهما بدا منسجمًا في لغة التقارير.
إن الإشكال الجوهري في الخطاب ليس اقتصاديًا فقط، بل فلسفي. فالدولة، حين تتكلم بلغة لا تشبه حياة الناس، تمارس – وفق تعبير بيير بورديو – عنفًا رمزيًا ناعمًا، تُقنع فيه المواطن بأن مشكلته ليست في الواقع، بل في فهمه للواقع. وهنا تصبح الأرقام أداة تهدئة، لا أداة تشخيص، وتتحول السياسة إلى إدارة صامتة للأزمة بدل مواجهتها.
ومن خلال قراءة متأنية للواقع الموريتاني، لا أرى أن الاستثمار الذي يُتحدث عنه قد أعاد تشكيل بنية الاقتصاد، ولا أن البرامج الاجتماعية انتقلت من منطق الإعانة إلى منطق الحق، ولا أن الدولة خرجت بعد من مركزية الخطاب إلى مركزية الإنسان. وهذا ما حذّر منه كارل بولاني حين أكد أن السوق، إن لم يُضبط اجتماعيًا، يُنتج الاضطراب بدل الرفاه.
إن أخطر ما في الخطاب السياسي المعاصر أنه يخلط بين النجاح التقني والشرعية الأخلاقية. فالدولة قد تُحسن التخطيط، لكنها تفشل في الإقناع. وقد تنجح في التقارير، لكنها تخفق في الواقع. وماكس فيبر كان واضحًا حين ربط شرعية الدولة بقدرتها على أن تُشعر الناس بأن سلطتها ذات معنى في حياتهم اليومية.
من موقعي الفكري، لا أطالب بخطاب سوداوي، ولا أنكر أي جهد، لكنني أرفض أن يُطلب مني – كمواطن ومثقف – تصديق ما لا أراه. فالواقع ليس معارضًا سياسيًا، بل شاهدًا صامتًا. وإذا استمر التباعد بين لغة الدولة وحياة الناس، فإن الأزمة لن تكون أزمة أرقام، بل أزمة ثقة، وهي أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة.
السياسة، في جوهرها، ليست بيانًا إحصائيًا، بل علاقة أخلاقية بين الحاكم والمجتمع. وحين تُختزل هذه العلاقة في لغة تقنية باردة، يفقد الخطاب روحه، وتفقد الدولة قدرتها على الإلهام.
وفي النهاية، يمكن ترتيب الأرقام، وتحسين العروض، لكن الواقع لا يُجمَّل. فهو، كما قال غرامشي، «عنيد، لا يخضع للخطابة».
