
الراصد : أصبحت مدونات السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة اليوم ركيزة أساسية في معظم النظم الإدارية الحديثة حول العالم بل إن المنظمات الدولية (مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD) تفرضها كمعيار أساسي لتقييم شفافية الدول وحوكمتها.
وهكذا أقرت كثير من دول العالم مدونات لضبط و توجيه سلوك و أخلاق الوظيفة العامة من أجل :
1. تكريس مبدأ "الحيادية" وفصل الدولة عن الانتماءات الضيقة بحيث يكون الولاء للمؤسسة لا للأشخاص و أن يعمل المسؤول والموظف العام لخدمة الدولة والصالح العام فقط، بعيداً عن ضغوط القبيلة، أو الجهة، أو العلاقات العائلية والشخصية و منع المحسوبية والوساطة في تقديم الخدمات الحكومية .
2. حماية هيبة الدولة ومفهوم "المنصب كتكليف لا كتشريف" بما يتضمنه من محاربة ثقافة الغنيمة و تحويل النظرة للمنصب العام من كونها "وجاهة اجتماعية" أو مكسباً فئوياً يُحتفل به إلى مسؤولية وطنية محددة الواجبات وتخضع للمساءلة.
3. ضبط السلوك العام والرقمي و وضع حدود واضحة لمشاركة المسؤولين في المحافل الاجتماعية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لمنع استغلال سلطة الدولة في الاستعراض الشخصي و الاجتماعي ...الخ
و أمور أخري طبعا منها الشفافية و مكافحة الفساد .... الخ
و بالتالي فأعتقد أن بلادنا أصبحت اليوم - في ظل المتغيرات التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي - بحاجة حقيقية لمثل هذه المدونات لترسيخ مفهوم الدولة و المؤسسية و منع أي انحرافات قد تشكل خطرا علي الوعي العام .
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتضمن المدونة المقترحة أحكاماً من قبيل:
1- يُحظر على كافة المسؤولين والموظفين العموميين، فور صدور قرارات تعيينهم إو إقالتهم ، قبول أو رعاية أو المشاركة في أي مظاهر احتفالية ذات طابع قبلي، عائلي، أو جهوي، بما في ذلك مآدب العشاء، واستقبال وفود المباركة والتكريم و التهنئة ... الخ
2- يُمنع منعاً باتاً نشر برقيات أو إعلانات التهاني المدفوعة في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، كما يُحظر علي الحسابات الشخصية أو المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي للترويج الاجتماعي أو الفئوي ويجب الاكتفاء بالبيانات الرسمية الصادرة عن الدولة وسيرهم الذاتية والمهنية.
غياب مثل هذه الضوابط يترك فراغاً تُملؤه الممارسات التقليدية، بينما يساهم وجودها في:
- تحصين الوعي المجتمعي و حماية الرأي العام والنخب الشابة من تبني الولاءات الفرعية (كالقبلية والجهوية) كمعيار وحيد للصعود الاجتماعي والإداري.
- إعادة توجيه النقاش الرقمي و نقل الاهتمام على وسائل التواصل الاجتماعي من التفاخر و التمجيد الاجتماعي عند التعيينات و الاقالات إلى التقييم الموضوعي للأداء والبرامج التنموية.
- مأسسة العلاقة بين المواطن والدولة و ترسيخ قناعة راسخة بأن الوظيفة العمومية هي عقد خدمة بين المسؤول والوطن، وليست ملكية خاصة أو امتيازاً فئوياً.
إن الانتقال إلى "دولة المؤسسات" يتطلب شجاعة في وضع هذه القواعد، وحزماً في تطبيقها !
فالمنصب العام ليس ملكاً لصاحبه، ولا مناسبة لتكريس الولاءات الضيقة، إنه أمانة وطنية، ومصدر للمساءلة، والتزام بخدمة الشعب و الوطن .
منقول عن / مجموعة "التحرير"
