
الراصد : حين نتحدث عن "مجتمع البيظان"، فإننا لا نتحدث عن عرق واحد نقي المصدر، ولا عن سلالة متجانسة اللون والأصل، بل عن نسيج اجتماعي وثقافي تشكّل عبر قرون من التمازج والانصهار بين مكونات بشرية متعددة الأصول عرب وأمازيغ وأفارقة وغيرهم، جمعتهم الصحراء الكبرى، وصهرتهم بيئة واحدة، ولغة واحدة، وعادات وتقاليد واحدة، حتى أصبحوا كتلة واحدة لا يمكن الفصل بين مكوناتها الفرعية دون تفكيك الهوية ذاتها.
من يتأمل مجتمع البيظان اليوم يجد فيه تنوعاً واضحاً في اللون والملامح والأصول الجغرافية: فمنهم من ترجع أصوله إلى القبائل العربية الوافدة، ومنهم من ترجع أصوله إلى القبائل الأمازيغية الصنهاجية التي سبقت الهجرات العربية إلى المنطقة، ومنهم من دخل هذا المجتمع عبر موجات تاريخية متعددة من أصول أفريقية متنوعة. هذا التنوع في المنابت لم يمنع تشكّل هوية جامعة واحدة، أساسها اللغة الحسانية، والانتماء القبلي المشترك، والدين، والعادات الاجتماعية، والبيئة الصحراوية، والذاكرة الجمعية.
بمعنى آخر: البيظان أنفسهم ليسوا مكوناً عرقياً نقياً بالمعنى الأنثروبولوجي الصارم، بل هم نتاج انصهار تاريخي طويل، تماماً كما انصهرت شعوب أخرى كثيرة عبر التاريخ (كالعرب أنفسهم الذين ضمّوا في نسيجهم أعراقاً فارسية وأمازيغية وأفريقية وغيرها بعد الفتوحات، دون أن يتحول كل مكوّن فيها إلى أمة أو مكون مستقل).
إذا كان معيار التمايز العرقي أو اللوني وحده كافياً لاعتبار جماعة ما مكوناً مستقلاً، فإن هذا المعيار ينسحب منطقياً على مكونات أخرى داخل البيظان أنفسهم، وهو ما لم يقل به أحد ولم يُطالب به أحد، لأن الجميع يدرك أن الرابط الحقيقي بين الناس ليس اللون أو أصل الجد الأول، بل اللغة والثقافة والانتماء الاجتماعي الحي.
فالحراطين يتحدثون الحسانية لغة أماً، وينتمون إلى نفس القبائل والبطون التي ينتمي إليها البيظان، ويشاركونهم نفس العادات في اللباس والطعام والأعراس والمآتم والشعر الشعبي والموسيقى وسائر مظاهر الحياة اليومية. الفارق الوحيد التاريخي كان فارقاً اجتماعياً طبقياً مرتبطاً بإرث الاسترقاق، وليس فارقاً إثنياً أو ثقافياً أو لغوياً مستقلاً كما هو الحال بين البيظان والزنوج الأفارقة (الفلان، الولوف، السوننكي) الذين يملكون فعلاً لغات وثقافات وهويات مستقلة بذاتها.
لا أحد ينكر أن لحراطين عانوا من تمييز اجتماعي واقتصادي حقيقي، وأن معالجة هذا الإرث الثقيل واجب وطني وأخلاقي لا يقبل التسويف. لكن معالجة الظلم الاجتماعي شيء، وخلق تصنيف هوياتي انفصالي شيء آخر تماماً. الأول يستدعي سياسات تمييز إيجابي، وإصلاحات قانونية واقتصادية، ومحاسبة على الممارسات التمييزية أياً كان مصدرها. أما الثاني، فإنه يخاطر بتفكيك نسيج اجتماعي متماسك تاريخياً، وزرع بذور انقسام هوياتي لا مبرر ثقافياً أو لغوياً له، وقد يُستغل مستقبلاً لأغراض سياسية ضيقة تُغذّي الفرقة بدل أن تعالج جذر المشكلة.
إن الحل الحقيقي لا يكمن في تفكيك مجتمع البيظان إلى مكونات متصارعة على الاعتراف والحصص، بل في الاعتراف بأن التمييز التاريخي ضد الحراطين وقع داخل المجتمع الواحد، وأن علاجه يكون بإنصافهم كمواطنين متساوين ضمن نسيجهم الاجتماعي والثقافي الأصيل، لا بإخراجهم منه.
وفي الختام فإن وحدة اللغة والثقافة والعادات والبيئة التي جمعت مكونات متعددة الأصول والألوان في بوتقة واحدة اسمها "البيظان"، هي ذاتها الحجة الأقوى على أن لحراطين جزء أصيل من هذا النسيج، لا مكون منفصل عنه. والمطلوب اليوم ليس اختراع حدود هوياتية جديدة، بل رأب الصدع الاجتماعي القديم، وبناء عدالة حقيقية داخل الأسرة الوطنية الواحدة.
عاشت موريتانيا موحدة مزدهرة ومستقلة.
الشيخ صمب امبيارك عضو المكتب السياسي لحزب الإنصاف
