
الراصد: تشهد مالي مرحلة أمنية وسياسية شديدة الحساسية، وفق ما أوردته مجلة المجلة، فبعد سلسلة تطورات ميدانية أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع الداخلي واتساع نطاق التحديات التي تواجه السلطات الانتقالية في باماكو. وتزامنت هذه التطورات مع هجمات منسقة نفذتها مجموعات مسلحة تنشط في الشمال والوسط، في مؤشر على تصعيد نوعي في طبيعة العمليات واتساع رقعة التهديدات.
ووفق ما أوردته مجلة المجلة، فإن “جبهة تحرير أزواد” أعلنت سيطرتها على مواقع في كيدال وبعض المناطق في غاو، بالتوازي مع استهداف منشآت ومواقع عسكرية حساسة، من بينها قاعدة كاتي القريبة من العاصمة باماكو. وبينما تختلف الروايات حول حجم المكاسب الميدانية، إلا أن دلالاتها الأمنية والسياسية تبدو واضحة من حيث قدرتها على نقل المواجهة إلى محيط العاصمة ومراكز الثقل العسكري.
وتشير مجلة المجلة إلى أن هذا التصعيد يأتي في سياق أزمة ممتدة تعيشها البلاد منذ أشهر، تتداخل فيها العوامل الأمنية مع الضغوط الاقتصادية، خصوصاً في ظل اضطراب خطوط الإمداد وارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية، ما انعكس مباشرة على الوضع المعيشي في عدد من المناطق الحيوية غرب ووسط البلاد.
وتلفت المجلة إلى أن طبيعة الهجمات الأخيرة تعكس تحولاً في تكتيكات الجماعات المسلحة، حيث لم تعد العمليات تقتصر على الكمائن التقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيداً من حيث التزامن وتعدد الأهداف، مع استهداف متزامن لمواقع عسكرية وخطوط إمداد، واستثمار الثغرات الاستخباراتية، ما يشير إلى مستوى أعلى من التنظيم والتخطيط.
كما توضح مجلة المجلة أن اختيار بعض المواقع المستهدفة، خاصة القواعد القريبة من باماكو، يحمل رسائل تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى البعد الرمزي والسياسي، في محاولة لإظهار محدودية سيطرة الدولة وإضعاف الثقة في قدرتها على فرض الأمن، في وقت تواجه فيه السلطة الانتقالية تحديات متصاعدة داخلياً وإقليمياً.
وفي المقابل، تستفيد الجماعات المسلحة، وفق تحليل مجلة المجلة، من مجموعة عوامل بنيوية، من بينها اتساع الجغرافيا الصحراوية، وضعف حضور الدولة في الأطراف، والتوترات المحلية والإثنية، إضافة إلى التحولات التي عرفتها الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية خلال السنوات الأخيرة، ما أتاح لها هامشاً أوسع لإعادة التموضع وتغيير أساليب العمل.
وتفتح هذه التطورات، بحسب مجلة المجلة، الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: تصعيد أمني متواصل قد يدفع البلاد نحو حالة استنزاف طويلة، أو إعادة تشكل موازين النفوذ الدولي داخل مالي وتحولها إلى ساحة تنافس جيوسياسي، أو الذهاب نحو تسوية سياسية معقدة تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالتهميش والتنمية والعدالة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو مالي أمام مرحلة مفصلية، حيث لم تعد المواجهة محصورة في إطار أمني تقليدي، بل باتت مرتبطة بإعادة تشكيل أوسع لمعادلات القوة في منطقة الساحل، في وقت يبقى فيه العامل الأمني وقدرة الدولة على استعادة المبادرة هو المحدد الأساسي لمسار المرحلة المقبلة.
