
بنشاب : في لحظات التحول الكبرى من تاريخ الشعوب، لم تكن الانتصارات تُصنع بالكثرة العددية وحدها، بل بوحدة الصف، ووضوح البوصلة، وتغليب المشترك على ما سواه. ولم تكن الهزائم يومًا نتيجة قوة الخصم فقط، بل كثيرًا ما كانت ثمرة تشتت الصفوف، وصراع الذوات، وتغليب الحسابات الضيقة على المصلحة العامة.
إننا اليوم، كقوى سياسية معارضة، وخصوصًا الطاقات الشابة التي تُعلّق عليها الآمال، أمام اختبار حقيقي: إما أن نرتقي إلى مستوى التحدي، أو نظل ندور في حلقة مفرغة يستفيد منها خصوم التغيير.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن لحظات الوحدة كانت دائمًا بوابة الانتصار. حين تتوحد الإرادات، وتتقاطع المشاريع عند الحد الأدنى، وتُبنى الجبهات الواسعة على قاعدة “نتفق فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”، يصبح التغيير ممكنًا، وتتحول القوة الكامنة إلى فعل مؤثر.
وفي المقابل، لا نحتاج إلى كثير عناء لندرك أن التشتت كان، ولا يزال، السلاح الأكثر فاعلية بيد الأنظمة. تغذّيه، وتستثمر فيه، وتراهن عليه. فكل تراشق بيننا هو هدية مجانية، وكل تخوين متبادل هو طعنة في ظهر الفعل المعارض، وكل انشغال بتصيد الأخطاء هو انصراف عن المعركة الحقيقية.
نعم، نحن أحزاب وتنظيمات بمشاريع سياسية، ونسعى للوصول إلى السلطة، وهذا أمر مشروع بل هو جوهر العمل السياسي. ولو لم نختلف في التقديرات والوسائل والتكتيكات، لما كانت هناك مبررات موضوعية لتعدد الأطر الحزبية. لكن هذا الاختلاف يجب أن يكون مصدر غنى، لا سبب فرقة؛ وأن يتحول إلى تنافس إيجابي، لا إلى صراع مُهلك.
إن أخطر ما يواجه العمل المعارض اليوم ليس فقط قوة الأنظمة، بل أزمة الثقة الداخلية التي تتسلل إلى صفوفنا. أزمة تُغذّيها السياسات الرسمية، نعم، لكنها تجد أرضية خصبة في نزعات فردانية، وحسابات تنظيمية ضيقة، تظهر في لحظات مفصلية فتُربك الصف وتُضعف الأثر.
من هنا، فإن أولوية الأولويات ليست شعارًا يُرفع، بل مهمة نضالية عاجلة: رص الصفوف، ترميم الثقة، توسيع مساحات المشترك، وبناء جبهة داخلية صلبة قادرة على الصمود والمبادرة.
لسنا مطالبين بالذوبان في كيان واحد، ولا بإلغاء اختلافاتنا، بل بإدارتها بوعي ومسؤولية. مطالبون بأن نختلف دون أن نتناحر، وأن ننتقد دون أن نُخوّن، وأن نتنافس دون أن نهدم ما يجمعنا.
إن الشعوب التي انتصرت لم تكن أكثر تجانسًا منا، لكنها كانت أكثر وعيًا بلحظة التاريخ، وأكثر قدرة على توحيد طاقاتها حول الهدف الأكبر.
فلنرتقِ إلى هذه اللحظة.
فلنجعل من اختلافنا قوة، لا نقطة ضعف.
ولنُدرك أن المعركة الحقيقية ليست بين مكونات المعارضة، بل مع السياسات التي أنهكت البلاد، ومع منظومات الفشل التي لا تعيش إلا على تفرقنا.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يخلد المشتتين… بل يكتب سطوره لأولئك الذين عرفوا متى يتوحدون
