بين قرار المنع ومحاولة النزول: اختبار التوقيت ومسؤولية الفعل ..

اثنين, 06/04/2026 - 11:56
احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي

الراصد : في ظلّ الجدل الذي أعقب قرار رفع أسعار المحروقات، برزت دعوات إلى النزول للشارع الموريتاني، رغم رفض وزارة الداخلية الترخيص للمسيرة لأسباب أمنية. وبين حقّ التعبير المشروع، ومقتضيات الحفاظ على النظام العام، تتشكّل لحظة دقيقة تختبر ليس فقط صلابة القرار، بل أيضًا نضج الفاعلين السياسيين وقدرتهم على قراءة التوقيت.

لا شكّ أنّ تداعيات ارتفاع أسعار الوقود تمسّ بشكل مباشر الحياة اليومية للمواطن، وتغذّي شعورًا متناميًا بالضغط الاقتصادي، ما يجعل الاحتجاج—في أصله—تعبيرًا مفهومًا عن معاناة حقيقية. غير أنّ الإشكال لا يكمن في مشروعية الغضب، بل في كيفية ترجمته، والسياق الذي يُختار للتعبير عنه.

فقرار وزارة الداخلية، سواء اتُّفق معه أو اختلف حوله، يستند إلى تقدير أمني لواقع قد لا يحتمل تصعيدًا في هذه اللحظة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل الإصرار على النزول رغم المنع يُمثّل فعلًا احتجاجيًا مسؤولًا، أم أنّه يفتح الباب أمام توترات قد يصعب التحكم في مآلاتها؟

ثمّة من يرى في هذه الدعوات محاولة “للركوب على الموج”، أي استثمار ظرف اقتصادي ضاغط لتحقيق مكاسب سياسية آنية، دون اعتبار كافٍ لحساسية الظرف العام. وفي بيئة تتّسم بهشاشة اقتصادية واجتماعية، قد يتحوّل أي احتقان غير محسوب إلى عامل زعزعة يتجاوز في أثره المطالب الأصلية.

إنّ الفعل السياسي الرشيد لا يُقاس فقط بمدى صوته، بل بقدرته على اختيار اللحظة المناسبة، والأداة الأنسب، والغاية الأبعد. فالاحتجاج، حين ينفلت من ضوابطه، قد يفقد معناه الإصلاحي، ويتحوّل إلى مجرّد حالة من التصعيد غير المنتج.

في المقابل، تبقى المسؤولية مشتركة. فكما أنّ على الداعين للاحتجاج أن يُحسنوا تقدير السياق، فإنّ على السلطات أيضًا أن تفتح قنوات تواصل أكثر فعالية، تُطمئن الشارع، وتشرح حيثيات القرارات، وتقدّم بدائل تخفف من وطأة الأثر الاجتماعي.

إنّ ما يواجهه الشارع الموريتاني اليوم ليس مجرّد قرار اقتصادي، بل لحظة اختبار لميزان دقيق بين الحقّ في التعبير، وواجب الحفاظ على الاستقرار. وبين هذا وذاك، يظلّ الوعي الجماعي هو الفيصل: إمّا أن يُدار الغضب في اتجاه إصلاحي بنّاء، أو يُترك لينزلق—في توقيت غير محسوب—إلى ما لا تُحمد عقباه.