يوميات الغروب: القائد والمهندس وظلال القانون

اثنين, 22/06/2026 - 22:34

الراصد : في جمهورية الغروب، تنقل الكثبان الرملية الأفق مع هبوب الرياح. وهي صورة تعكس واقعًا سياسيًا تبدو فيه قواعد اللعبة أحيانًا متحركة ومتغيرة، كأنها رقعة شطرنج تتبدل قوانينها مع كل جولة. وفي قلب هذا المشهد يقف المهندس الأول للسفينة، رجل اشتهر بكفاءته التقنية، وانضباطه الإداري، وحسن إدارته لشؤون الدولة، وهي صفات لا يجادل فيها إلا من يعارضون كل سلطة من حيث المبدأ.

شهادة من الداخل: مرافعة لصالح النزاهة

أثارت مقالة نُشرت مؤخرًا اهتمام المتابعين للشأن العام. ولم يكن صاحبها مجرد معلق أو مراقب، بل مسؤولًا ساميًا سابقًا عمل إلى جانب المهندس الأول للسفينة منذ عام 2008. وقد جاءت شهادته متجاوزة حدود الدعم السياسي، لتشكل دفاعًا صريحًا ومبررًا عن نزاهة الرجل.

يروي المسؤول السابق أنه عند تعيينه على رأس الهيئة الضريبية، كان يتخوف من تدخلات أو ضغوط قد تمارس عليه في بعض الملفات الحساسة. غير أن المهندس الأول فاجأه بتوجيه واضح وحاسم: «طبّق القانون وافعل ما هو صواب، دون انتظار أي تعليمات خاصة أو تدخل من أي جهة».

وتكشف هذه الشهادة جانبًا كثيرًا ما يُغفل في تقييم الرجل، وهو إيمانه بأن الأداء والكفاءة لا ينفصلان عن النزاهة والاستقامة. فالنزاهة بالنسبة إليه ليست مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، بل منهج عمل وسلوك يومي في إدارة الشأن العام.

ومن هنا، تدعو هذه الشهادة المواطنين إلى النظر بموضوعية وإنصاف إلى ما يُنجز على أرض الواقع، ودعم ما يستحق الدعم، مع التذكير بأن الغاية النهائية لأي سياسة تبقى تحسين حياة الناس وصون كرامتهم وتوفير أسباب العيش الكريم لهم.

جمهورية عند مفترق الطرق

ومع ذلك، ما تزال جمهورية الغروب تواجه مفارقة بنيوية عميقة. فمن جهة، توجد نخبة إدارية وتقنية تتطلع إلى التميز والشفافية وإدارة حديثة خالية من المحسوبية والزبونية. ومن جهة أخرى، ما تزال بعض الممارسات الإدارية، بدافع العادة أو الإفراط في الحماس، تضيق أحيانًا مساحة النقاش العام، وتنظر إلى النقد باعتباره تهديدًا بدل اعتباره مساهمة في الإصلاح.

ومن ثم، فإن نجاح الإصلاحات على المدى البعيد يقتضي تجاوز هذه التناقضات. فإذا كان المهندس الأول للسفينة يطمح إلى إحداث تحول حقيقي ومستدام، فعليه أن يضمن ألا تقوض البيروقراطية المفرطة أو الممارسات المتجاوزة الأهداف الكبرى التي يسعى إلى تحقيقها.

فالأمم لا تتقدم بالكفاءة وحدها، بل تتقدم أيضًا بحرية الكلمة واتساع فضاء الحوار. إن النقد البنّاء لا يضعف الدولة، بل يساعدها على تصحيح أخطائها. ولا يعرقل العمل العام، بل يسهم في تطويره وتحسينه.

وفي نهاية المطاف، لن يتوقف نجاح المشروع الوطني على صرامة القائد الذي يمسك بدفة القيادة فحسب، بل كذلك على قدرته على صون فضاء حواري حر ومسؤول، تتعايش فيه حرية التعبير مع احترام المؤسسات. وعندها فقط تستطيع جمهورية الغروب أن تجمع بين الفعالية والعدالة والثقة، وأن تبني مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا.

أحمد ولد بتار

مترجم من الفرنسية